Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

مالك بن أنس: الموطأ وإمام دار الهجرة الذي ضُرب فازداد قدرًا

الإمام مالك بن أنس رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، وُلد بالمدينة المنورة سنة ثلاث وتسعين للهجرة على المشهور، وقيل غير ذلك، وتوفي بها سنة تسع وسبعين ومئة. نشأ في بيت علم، فجدّه مالك بن أبي عامر من كبار التابعين، وأمه عالية بنت شريك الأزدية، كما ذكر المترجمون. وأقام في المدينة طوال عمره لم يغادرها إلا للحج، وصار فيها المرجع الذي تُشدّ إليه الرحال.

طلب العلم والجلوس للفتوى

أخذ مالك العلم عن عدد كبير من الشيوخ، منهم نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، وأبو الزناد، ويحيى بن سعيد الأنصاري. ومن روايته عن نافع عن ابن عمر سُمّيت عند المحدثين سلسلة الذهب لجلالة رواتها.

وقد رُوي عنه أنه لم يجلس للفتوى حتى شهد له سبعون من أهل العلم بأنه أهل لذلك. ذكر هذا الخبر ابن عبد البر وغيره عن مالك نفسه، وفيه ما فيه من تحرّيه وتواضعه. ومن تواضعه الثابت عنه ما رواه الهيثم بن جميل، قال: شهدتُ مالكًا سُئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وهذا الخبر مشهور عند ابن عبد البر والذهبي، ويُنقل في بيان أن قول «لا أدري» نصف العلم.

وكان شديد التحري فيمن يأخذ عنه. ويُروى عنه أنه قال إنه أدرك بالمدينة عددًا كبيرًا من الرجال المأمونين الذين لو ائتُمنوا على بيت مال لأدّوه، ومع ذلك لم يأخذ عنهم الحديث لأنهم ليسوا من أهله. ذكر هذا ابن عبد البر ومن قبله، وهو يوافق ما اشتهر عن مالك من قوله إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم، وهي كلمة تُروى كذلك عن محمد بن سيرين، فالأولى أن تُنسب إليهما على أنها مما تداوله السلف.

ومما نُقل عنه في تعظيم مقام النبي ﷺ أنه كان لا يحدّث إلا على طهارة، وأنه كان يكره أن يركب دابة في المدينة. وهذا مروي في «ترتيب المدارك» للقاضي عياض، وهو من أخبار المناقب التي لا أتثبت من أسانيدها، فلتُؤخذ على أنها مشهورة لا مقطوع بها.

تأليف الموطأ

ألّف الموطأ في المدينة، وفيه الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين وأقوال فقهاء المدينة وما استقر عليه العمل عندهم، مرتبًا على أبواب الفقه. ورُوي أن الخليفة أبا جعفر المنصور سأله أن يؤلف كتابًا يجمع فيه الناس عليه، وأن مالكًا فعل. ثم رُوي أن المنصور، وفي رواية غيره من الخلفاء، أراد أن يحمل الناس كلهم على الموطأ، فرفض مالك، وقال ما معناه إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، فصار عند كل قوم علم لم يبلغ غيرهم. ويذكر هذا الخبر ابن سعد وابن عبد البر والقاضي عياض، وبعض ألفاظه تختلف، ولذلك نكتفي بالمعنى. وفيه دلالة على إنصاف مالك في قبول الخلاف الفقهي.

ويذكر ابن عبد البر عن مالك أنه قال إنه عرض كتابه على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأه عليه، فسمّاه الموطأ. وهذا هو وجه التسمية كما نقلها المترجمون، ولم أقف على إسناد قوي لها. وقيل إن مالكًا بقي يهذّب الموطأ سنين طويلة، وإنه كان فيه في الأصل عدد أكبر من الأحاديث ثم نقّحه، ومن هنا اختلفت روايات الموطأ باختلاف من رواه عنه، كرواية يحيى بن يحيى الليثي ورواية محمد بن الحسن الشيباني.

وقد قال الشافعي، فيما نقله العلماء عنه، في الموطأ كلمة مشهورة مفادها أن الموطأ أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وهذا قبل أن يظهر الصحيحان، ولذلك فالعلماء يقولون إن الصحيحين صارا بعد ذلك أصح منه.

محنة الضرب

تعرض الإمام مالك لمحنة في المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور، على يد والي المدينة جعفر بن سليمان. والروايات في سببها وتاريخها مختلفة. ذكر بعضهم أن السبب فتواه بأن طلاق المكره لا يقع، وأن بعض الولاة استاءوا منها لأنها تُبطل البيعة المأخوذة بالإكراه. وقيل غير ذلك. وأما السنة فيذكرون سنة ست وأربعين أو سبع وأربعين ومئة، وقيل غيرها.

وقد ذكرت كتب المناقب أنه ضُرب بالسياط، وأن يده مُدّت حتى انخلع كتفه، وأنه حُمل على بعير. وتزيد بعض الروايات تفاصيل لم أجدها بأسانيد قوية، فلا نذكرها. والذي يُجمع عليه أن المحنة وقعت، وأن مالكًا خرج منها أرفع قدرًا في أعين الناس، وأن الخليفة المنصور اعتذر إليه فيما بعد ولامَ واليه، على اختلاف في ألفاظ الاعتذار.

مجلسه وهيبته

وصفه تلاميذه بالمهابة والوقار في مجلس الحديث، وقد روى بعضهم قصة العقرب التي لدغته وهو يحدّث فلم يقطع الحديث إجلالًا لحديث رسول الله ﷺ. وهذه القصة مشهورة، لكن في إسنادها نظر، فهي من المناقب لا من الأخبار الموثقة.

وكان لا يقبل أن يُحمل العلم إلى أبواب الحكام، وتروى عنه عبارة معناها أن العلم يؤتى ولا يأتي. وقد جاءه هارون الرشيد ليسمع الموطأ فقال له: العلم يؤتى ولا يأتي، وهي من الأخبار المشهورة المتداولة.

تلاميذه وخاتمة أمره

تخرج على يديه جمع من الأئمة، منهم الإمام الشافعي، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن يحيى الليثي ناقل الموطأ إلى الأندلس. وقد انتشر مذهبه في المدينة والمغرب والأندلس وغيرها.

وقد وردت عنه عبارات في الاتباع، منها أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر، يعني النبي ﷺ. وهذه الكلمة تُنسب إلى مالك، وقد نسبها ابن عبد البر وغيره إليه، والأقرب أنها قول مشهور عنه من حيث المعنى.

توفي رحمه الله سنة تسع وسبعين ومئة، بعد مرض أصابه أيامًا، ودُفن بالبقيع. ويروي بعض المترجمين أنه قال عند احتضاره: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾، وهي رواية مذكورة في كتب التراجم ولم أتثبت من إسنادها. وبقيت سيرته مثالًا للعالم الذي يلزم موضعه وينفع الناس بعلمه ولا يتنازل عن الحق أمام الأمراء.

العبرة

قول لا أدري من علامات الورع في العلم، والصبر على الأذى في سبيل الحق يرفع قدر صاحبه. والخلاف الفقهي سعة ما دام مبنيًا على دليل.

المصدر: القاضي عياض: ترتيب المدارك؛ ابن عبد البر: التمهيد والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة مالك).

الدرجة: سيرة مشهورة في كتب التراجم؛ ثابت منها نشأته بالمدينة وتأليفه الموطأ ووفاته سنة 179هـ وتعرضه للضرب في عهد المنصور، أما سبب المحنة وتاريخها ومنع المنصور حمل الناس على الموطأ وقصة العقرب وكراهية ركوبه الدابة بالمدينة فمروية في كتب المناقب بأسانيد لا تخلو من ضعف، وقد نُبّه عليها في النص.