Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سفيان بن عيينة: شيخ الحجاز الذي حج سبعين حجة وعلّم الشافعي وأحمد

الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله

هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، مولاهم. وُلد في الكوفة سنة سبع ومئة، وانتقل إلى مكة المكرمة وسكنها، حتى صار شيخ الحجاز في الحديث، وتوفي بها في رجب سنة ثمان وتسعين ومئة وهو ابن إحدى وتسعين سنة، ودُفن بالحجون. وهو من الأئمة الذين أخذ عنهم كبار علماء الإسلام، وقد وصفه الحافظ ابن حجر في «التقريب»: ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلّس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار.

شيوخه وتلاميذه

سمع ابن عيينة من عدد كبير من التابعين، فروى عن الزهري، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وجعفر الصادق، وغيرهم. وقد قال الإمام الشافعي في حقه: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. نقل هذا القول الذهبي وابن حجر وغيرهما، وهو مشهور عن الشافعي. وقال أيضًا: ما رأيت أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أكف عن الفتيا منه. وقد نقل هذا العلماء، وفيه إشارة إلى ورع ابن عيينة وتحرجه من الفتوى.

وأخذ عنه الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ويحيى بن معين وعبد الله بن الزبير الحميدي، وهو شيخ البخاري، وغيرهم من الأئمة. وقال الحميدي، فيما ينقله العلماء، إنه صحب سفيان نحو تسع عشرة سنة. وكانت حلقته في المسجد الحرام من أكبر حلقات العلم، يقصدها الحجاج والمعتمرون ليسمعوا منه الحديث.

حج سبعين حجة

ينقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن ابن عيينة أنه قال: حججت سبعين حجة، أقول في كل واحدة: اللهم لا تجعله آخر العهد منك، فلما كان في العام الأخير قلت: قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله. وفي بعض الروايات أنه توفي بعد ذلك بمدة قصيرة. وهذه الرواية مشهورة، وقد جاءت بألفاظ متقاربة، ولا أتثبت من إسنادها، وهي تدل على علاقته الطويلة بالحرم. ومن المعلوم أن سنه تجاوزت التسعين.

وهو من أكثر العلماء حجًّا، وكان يجلس للتحديث في موسم الحج، ويأتيه طلبة الحديث من أنحاء العالم الإسلامي. وبسبب إقامته بمكة صار حلقة الوصل بين علماء الحجاز وغيرهم. ولذلك قال العلماء إن علم الحجاز انتقل إلى الأمصار عن طريقه وطريق مالك.

من أقواله

تنقل كتب الآداب عن ابن عيينة أقوالًا في العلم، منها قوله: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. نقله الخطيب البغدادي في «اقتضاء العلم العمل»، وهو ترتيب جميل لمراحل الطلب. ومنها قوله ما معناه إن العالم ينبغي أن يعمل بعلمه، وأن العلم إذا لم يعمل به نسيه صاحبه. وهذه الأقوال تُنسب إليه في كتب الآداب، ولا أجزم بأسانيدها، لكنها مشهورة عنه وتتفق مع ما عرف من حاله.

وقد اشتهر بعبارته الجميلة في تفسير الحديث «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، حيث فسّره بأن المراد الاستغناء به، وهذا التفسير نقله عنه البخاري وغيره في كتاب التوحيد. وهذا من فقهه وحرصه على فهم الحديث.

تفسيره لحديث التغني بالقرآن

روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن». وقد اختلف العلماء في معنى التغني، فذهب ابن عيينة إلى أن المراد الاستغناء بالقرآن عن غيره، وذكر البخاري قوله في كتاب التوحيد. وذهب الشافعي وغيره إلى أن المراد تحسين الصوت به. وجمع بعضهم بين المعنيين، فقالوا إن القارئ ينبغي أن يستغني بالقرآن ويحسن صوته به. وهذا الخلاف مثال على فقه الأئمة في فهم النص، وعلى أن لابن عيينة فهمًا في الحديث والتفسير لا يقل عن روايته.

وله كتب في التفسير والجامع، وصل منها أجزاء مروية، وبعض أقواله في التفسير منقولة في كتب التفسير المسندة. وكان البخاري ومسلم وأصحاب السنن يخرجون من حديثه، فحديثه في الأصول الستة كلها.

الحميدي ومسنده

ومن أشهر ما نُقل من علم ابن عيينة «مسند الحميدي»، وهو كتاب لتلميذه عبد الله بن الزبير الحميدي، جمع فيه أكثر ما سمعه من شيخه ابن عيينة، مرتبًا على أسماء الصحابة. وبذلك بقي علم ابن عيينة محفوظًا في كتاب مستقل، وإن كان الحميدي قد روى فيه عن غيره قليلًا. وروى عن الحميدي البخاري فأكثر، وأخذ منه كثيرًا من روايات ابن عيينة. فالسلسلة عندنا متصلة: ابن عيينة ثم الحميدي ثم البخاري.

تغير حفظه في آخر عمره

وكما ذكر ابن حجر، فقد تغير حفظ ابن عيينة في آخر عمره، ولذلك نبّه العلماء إلى أن ما رواه عنه من سمع منه قبل ذلك أصح مما رواه عنه من سمع منه بعد ذلك. وهذه من قواعد علم الحديث في حق من تغير حفظه، ولا يقدح ذلك في إمامته. وقد ذكر بعض العلماء أن سماع أصحابه الكبار كالحميدي كان قديمًا. وهذا النوع من التحرير هو ما يجعل علم الحديث علمًا دقيقًا.

وفاته

توفي ابن عيينة بمكة سنة ثمان وتسعين ومئة، في العام الذي توفي فيه القطان وابن مهدي. وكان عمره إحدى وتسعين سنة، على ما نقله الذهبي.

خلاصة

سيرة ابن عيينة نموذج لعالم قضى حياته في الحرم، ينفع الناس بالحديث والتفسير، ويرحل إليه الأئمة. وهي مثال على أن مكانة العالم لا تأتي من منصب بل من علم وورع وطول عمر في خدمة السنة. وفيها كذلك أن الأمانة في الرواية تقتضي بيان الفرق بين ما سمع قبل التغير وما سمع بعده.

العبرة

العلم رحلة طويلة ترتبها مراحل: استماع ففهم فحفظ فعمل فنشر. والأمانة في الرواية تقتضي التفريق بين ما رُوي قبل تغير الحفظ وبعده.

المصدر: الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة ابن عيينة)؛ ابن حجر: تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب؛ الخطيب البغدادي: اقتضاء العلم العمل.

الدرجة: ثابت منها نسبه ووفاته بمكة سنة 198هـ وثناء الشافعي عليه وتغير حفظه في آخر عمره (كما في التقريب)؛ أما قصة الحج سبعين حجة وأقواله في العلم فمن مرويات التراجم بأسانيد لا أقطع بها، وقد نُبّه عليها في النص.