هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي، المعروف بالدارقطني، نسبة إلى دار القطن، وهي محلة كبيرة في الجانب الغربي من بغداد. وُلد سنة ست وثلاث مئة، وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة، ودُفن قرب قبر معروف الكرخي، كما ذكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» وتبعه الذهبي. وهو حافظ بغداد في زمانه وإمام الجرح والتعديل والعلل في القرن الرابع.
طلبه للحديث
بدأ الدارقطني الطلب مبكرًا، فسمع في بغداد من شيوخ كثيرين، منهم أبو القاسم البغوي وأبو بكر بن أبي داود السجستاني وإسماعيل الصفار ويحيى بن صاعد وأبو بكر بن مجاهد في القراءات. ثم رحل إلى الكوفة والبصرة وواسط والشام ومصر. وبرع في علوم الحديث والقراءات والفرائض والنحو وأيام الناس، وقال الحاكم أبو عبد الله، فيما ينقله الذهبي: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراءات والنحو.
قصة الأحاديث المملاة
يروي الخطيب البغدادي في ترجمته خبرًا مشهورًا يدل على قوة حفظه في شبابه، وخلاصته أنه حضر مجلس إسماعيل الصفار وهو شاب، فكان إسماعيل يملي والدارقطني ينسخ جزءًا في يده. فقال له رجل: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك. فهل تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. قال: أملى ثمانية عشر حديثًا، الحديث الأول عن فلان ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان ومتنه كذا، وهكذا حتى أتى على الأحاديث كلها على الولاء. فعجب الناس منه. وفي رواية أنه ذكرها بأسانيدها ومتونها.
وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم، وقد ذكرها الخطيب بإسناده، وفيها تفاصيل تختلف في بعض الروايات من حيث عدد الأحاديث، فبعضها يذكر ثمانية عشر وبعضها يذكر غير ذلك. فالأولى أن نقتصر على الحدث وأنه دل على قوة فهمه وحفظه وهو في مقتبل العمر.
ما هي علل الحديث؟
لكي نفهم قيمة عمل الدارقطني ينبغي أن نعرف أن العلة عند المحدثين سبب خفي قادح في صحة الحديث الذي ظاهره السلامة. ومن صور العلل أن يُروى الحديث موصولًا من طريق ومرسلًا من طريق آخر، أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ من وجه وموقوفًا على الصحابي من وجه، أو أن يُخطئ راوٍ في اسم شيخه أو في متن الحديث. ولا يطّلع على هذه العلل إلا من جمع الطرق وقارن بينها وعرف أحوال الرواة، ولذلك قال ابن مهدي كلمته المشهورة في فضل معرفة العلة. وكان الدارقطني من أبرز من تفرغ لهذا الفن في زمانه، وكتابه «العلل» مرجع لكل من جاء بعده.
مؤلفاته
له تصانيف كثيرة، أشهرها كتاب «السنن»، وكتاب «العلل الواردة في الأحاديث النبوية»، وهو أكبر كتبه، رتبه على مسانيد الصحابة وذكر فيه اختلاف الرواة على الأحاديث وبيّن الراجح منها، وقد جمعه عنه تلاميذه، ومنهم البرقاني، فهو أقرب إلى الإملاء منه إلى التأليف المنظم على ما ذكر العلماء. وكتاب «الضعفاء والمتروكون»، وكتاب «المؤتلف والمختلف» في أسماء الرواة المتشابهة، وكتاب «التتبع» أو «الإلزامات والتتبع» الذي انتقد فيه على الشيخين أحاديث مخرجة في الصحيحين. وهذا الكتاب يحتاج إلى بيان.
استدراكه على الصحيحين
انتقد الدارقطني في كتاب «الإلزامات والتتبع» جملة من الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم، يقارب عددها المئتين على ما ذكره العلماء، من حيث الإسناد في الغالب. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن أكثرها في مقدمة فتح الباري «هدي الساري»، وبيّن أن بعضها لا يضر، لأنه من اختلاف الرواة الذي رجح فيه الشيخان وجهًا، وأن بعضها في المتابعات. وقد قرر العلماء أن الصحيحين تلقتهما الأمة بالقبول، وأن نقد الدارقطني لا يطعن فيهما، وإنما هو من باب التحقيق العلمي الذي يقوم به الأئمة.
ومن الإنصاف أن نقول إن الدارقطني نفسه كان معظمًا للشيخين، وإنما أراد بنقده الدقة في البحث العلمي. وهذا مما يدل على أن علماء الحديث لا يأخذون الأمور بالتسليم المطلق، بل يتحرون حتى في أصح الكتب.
تلاميذه
تخرج على الدارقطني جماعة من الحفاظ، منهم أبو عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك»، وأبو بكر البرقاني، وتمام الرازي، وعبد الغني بن سعيد المصري. وقد ذكر الذهبي أن الحاكم رحل إلى بغداد فلقي الدارقطني وأخذ عنه، وهو ما يدل على أن مكانة الدارقطني جذبت أنظار الحفاظ من خراسان. ويذكر الذهبي أن الدارقطني كان أيضًا مرجعًا في القراءات، وله فيها كتاب.
مكانته وخلقه
وصفه الخطيب بأنه فريد عصره وقريع دهره ونسيج وحده وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة. وهذه العبارة من أشهر ما قيل فيه، وهي منقولة في تاريخ بغداد. وهي ثناء بالغ، ولا يحمل على أن كل لفظ منها محقق، فهي من أسلوب الثناء عند المترجمين.
وقد ذكر المترجمون أنه كان على مذهب أهل الحديث، وأنه تفقه على مذهب الشافعي على قول، وقيل غير ذلك، وعدّه أكثرهم من الشافعية.
عبرة السيرة
كانت حياة الدارقطني مثالًا للعالم الذي كرّس نفسه لخدمة السنة، وجعل علم العلل غاية له. وفي قصة طفولته درس في أن الفهم قد يسبق الحفظ، وأن الانتباه أهم من الجلوس. وفيه أن النقد لأعظم الكتب لا يعد تجرؤًا إذا كان بالحجة. وقد انتفع الناس بكتبه في العلل والرجال والسنن والقراءات إلى يومنا هذا.
