Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أرض صدق: هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة

عثمان بن عفان ورقية بنت رسول الله ﷺ ومهاجرو الحبشة الأوائل رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حين ضاقت مكة

لما اشتد أذى قريش على من آمن بالنبي ﷺ في مكة، عُذّب من لا عشيرة له تمنعه، وفُتن أناس في دينهم، ولم يكن النبي ﷺ يملك يومئذ أن يدفع عنهم ما يصيبهم. فقال لأصحابه، فيما ذكره ابن إسحاق في السيرة: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه». وهذا الخبر مشهور في كتب السيرة، ومعناه مستفاد أيضًا من حديث أم سلمة رضي الله عنها الذي رواه الإمام أحمد، وفيه أنهم نزلوا بالحبشة عند خير جار وأمنوا على دينهم وعبدوا الله لا يؤذيهم أحد.

وكانت الحبشة معروفة لقريش بالتجارة، فلم تكن بلادًا مجهولة عليهم، وكان بينها وبين مكة البحر الأحمر. وقد بيّن النبي ﷺ سبب اختيارها: ملكها لا يُظلم عنده أحد، فاجتمع لهم فيها الأمان وسعة الأرض، وهو معنى يشهد له قول الله تعالى في القرآن الكريم أن أرض الله واسعة، وأن الصابرين يوفَّون أجرهم بغير حساب (سورة الزمر). وقد نصّ كثير من المفسرين على أن في هذه الآية حثًّا على الهجرة بالدين من أرض يُضطهد فيها المؤمن إلى أرض يأمن فيها.

من الذين خرجوا

ذكر ابن إسحاق وابن سعد أن هذا كان في رجب سنة خمس من البعثة. وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ. وذكر ابن إسحاق في عداد هذه الجماعة الأولى جملة من الصحابة: أبا حذيفة بن عتبة ومعه زوجته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبا سلمة بن عبد الأسد ومعه زوجته أم سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة ومعه زوجته ليلى بنت أبي حثمة، وأبا سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين. وذكر ابن سعد أن عددهم كان أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وبين أهل السير خلاف في عدّتهم وفي بعض الأسماء؛ فلا يُجزم بعدد بعينه.

وخرجوا متسللين سرًّا حتى لا تمنعهم قريش، ووصلوا إلى الشعيبة، وهي ميناء قديم على ساحل البحر الأحمر، فوجدوا سفينتين للتجار فحملتاهم إلى أرض الحبشة، وخرجت قريش في آثارهم حتى بلغت البحر فلم تُدرك منهم أحدًا. هذا ما ذكره ابن سعد وأصحاب السير، وهو من الأخبار التي لا يُتشدد في أسانيدها لأنها ليست من العقائد ولا الأحكام. وقد رُوي أن النبي ﷺ قال في عثمان وزوجته: «صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام»، لكن هذه العبارة لا يثبت إسنادها، فلا ينبغي الجزم بنسبتها إلى النبي ﷺ.

ما أنزل الله في الذين هاجروا

قال الله تعالى في سورة النحل ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ونقل ابن كثير وغيره عن جماعة من السلف أن الآية تشمل المهاجرين إلى الحبشة، وإن كان لفظها عامًّا في كل من هاجر في سبيل الله بعد أن ظُلم. ومن معاني المبوأة الحسنة في الدنيا ما قاله بعض المفسرين: أنها الدار والرزق الطيب والنصر، وقال آخرون: إنها المدينة وما فتح الله عليهم؛ والمقصود أن من ترك داره ابتغاء مرضاة الله عوّضه الله خيرًا مما ترك.

خبر بلغهم فرجعوا

أقام المهاجرون في الحبشة نحو ثلاثة أشهر، ثم بلغهم أن قريشًا أسلمت، فعادوا إلى مكة. وأصل ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود وعن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم عند الكعبة فسجد، وسجد معه المسلمون والمشركون، وسجد الجن والإنس. فشاع الخبر أن القوم أسلموا، ووصل ذلك إلى مهاجري الحبشة، فرجع منهم من رجع. فلما دنوا من مكة تبيّن لهم أن الخبر غير صحيح، وأن قريشًا باقية على شركها وأذاها، فدخل منهم من دخل في جوار رجل من قريش، ومنهم من رجع إلى الحبشة.

وهنا تنبيه مهم: اشتهر على الألسنة أن سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ ما يُسمى قصة الغرانيق، وفيها أن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ كلمات تمدح آلهة المشركين. وهذه القصة لم تثبت من طريق صحيح، وقد أنكرها جمع من المحققين وبيّنوا بطلانها، والصحيح الثابت في الباب ما رواه البخاري من سجود الجميع عند تلاوة النجم، وأن المشركين سجدوا لما سمعوا من جلال الكلام وعظمة الآيات ولم يتمالكوا أنفسهم.

جوار الوليد وعثمان بن مظعون

ومما ذكره ابن إسحاق أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه دخل مكة بعد عودته في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى أصحاب النبي ﷺ يُؤذَون وهو آمن بجوار مشرك، قال: «والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي»، فردّ جواره إلى الوليد علنًا في المسجد. وأخبار هذه الواقعة مشهورة في السيرة، وإن كان إسنادها من جنس ما يرويه ابن إسحاق، فهي مما يُذكر في السير مع التنبيه على درجتها.

ثمرة الهجرة الأولى

فتحت هذه الرحلة بابًا جديدًا في الدعوة: فقد عرف المسلمون أن الأرض أوسع من مكة، وأن الدين لا يُترك بسبب الأذى ولكن يُحفظ بالهجرة عند الحاجة. وبعد هذه الرحلة جاءت هجرة ثانية أكبر منها، ثم كان أصحابها بعد سنين ممن شهدوا الفتح العظيم وقدموا على النبي ﷺ وهو بخيبر، وسيأتي ذلك في قصصه. وتبقى هذه الأولى شاهدًا على أن أول هجرة في الإسلام لم تكن إلى المدينة بل إلى الحبشة، وأن أول من هاجر بأهله من هذه الأمة هو عثمان بن عفان رضي الله عنه مع زوجته بنت النبي ﷺ.

العبرة

من خاف على دينه فرّ به إلى أرض يأمن فيها، والله يعوّض من ترك شيئًا لوجهه خيرًا منه. ويجب التثبت من الأخبار المشهورة كقصة الغرانيق وتمييز الثابت منها.

المصدر: سيرة ابن إسحاق (برواية ابن هشام)؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ مسند أحمد (حديث أم سلمة)؛ صحيح البخاري (كتاب التفسير/سجود القرآن: حديث ابن مسعود وابن عباس في سجود النجم)؛ تفسير ابن كثير لسورة النحل والزمر والنجم؛ البداية والنهاية لابن كثير

الدرجة: أصل الهجرة ثابت بالقرآن وبحديث أم سلمة عند أحمد وبحديث سجود النجم في البخاري؛ والتفاصيل (الأسماء والعدد والسفينتان وخبر جوار الوليد) مشهورة في كتب السيرة وليست كلها بأسانيد صحيحة؛ وقصة الغرانيق لا تصح