هجرة ثانية أكبر
لما رجع بعض مهاجري الحبشة إلى مكة وعاد البلاء أشد، أذن النبي ﷺ بهجرة ثانية، فخرجت جماعة كبيرة من الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن إسحاق إنهم ثلاثة وثمانون رجلًا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وشكّ في ذلك، سوى النساء والصبيان. وكان أميرهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد روت أم سلمة رضي الله عنها ما جرى بعد ذلك في حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند وأورده ابن إسحاق وابن كثير، وهو أصل هذه القصة.
الهدايا والبطارقة
تقول أم سلمة: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا له هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم (الجلد). فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، قالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشي فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.
فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لِيردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فقالوا لهما: نعم.
الملك لا يسلّم قبل أن يسمع
ثم قدّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. فقالت بطارقته: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما ليردّاهم إلى قومهم وبلادهم. فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
كلمة جعفر
ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فاجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ، كائنًا في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه وقد دعا أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك.
صدر مريم
قال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم. قال: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم. قالت أم سلمة: فبكى والله النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم قال لعمرو وصاحبه: انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدًا ولا يكادون.
وفي اليوم التالي: عيسى ابن مريم
تقول أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينّه غدًا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم يسألهم عنه، ونزل بهم مثل لم ينزل بهم مثله، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن.
فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله. اذهبوا فأنتم سُيوم بأرضي، أي آمنون، من سبّكم غُرِّم، من سبّكم غُرِّم، من سبّكم غُرِّم، ما أحب أن لي دبرًا من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم. وهو الجبل بلسانهم. ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
الدعاء للنجاشي
وفي تتمة الحديث أن رجلًا نازع النجاشي في ملكه، فحزن المسلمون حزنًا شديدًا لما ينزل به لأنهم أمنوا عنده، وكانوا يخافون أن يظهر عليه ذلك الرجل فلا يعرف من حقهم ما كان النجاشي يعرف. فقال الصحابة: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. وكان من أحدثهم سنًّا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى القوم فحضر الوقعة. ودعا المسلمون الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكن في بلاده، فانتصر النجاشي، وجاء الزبير يلوّح بثوبه يبشرهم: ألا أبشروا، فقد أظهر الله النجاشي. قالت أم سلمة: فوالله ما علمتنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي. ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة وأقام من أقام.
تنبيه على أمرين
الأول أن الإمام أحمد روى هذا الحديث بإسناد حسّنه جماعة من المحققين، وفي بعض الألفاظ الموجودة في كتب السيرة زيادات يسيرة، فمن أراد النص الأوفى فليرجع إلى المسند. والثاني أن النجاشي ظل يعرف للمسلمين حقهم، وجاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كتب إليه ضمن من كتب إليهم من الملوك، ثم لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وصلى عليه صلاة الغائب، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
