Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

طريق الهجرة: ابن أريقط والغار وسراقة

النبي ﷺ وأبو بكر الصديق وعبد الله بن أريقط وسراقة بن مالك رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الاستعداد

يروي البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها حديث الهجرة الطويل: أن النبي ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، فقال: «أخرج من عندك»، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. فقال: «فإني قد أُذن لي في الخروج». فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة». قالت عائشة: فوالله ما شعرت قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ. وكان أبو بكر قد أعدّ راحلتين وعلفهما أربعة أشهر ورق السمر، أي ورق الشجر، وهذا في الصحيح.

واستأجرا رجلًا من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي، هاديًا خِرّيتًا، أي ماهرًا بالهداية، قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل السهمي، وكان على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث. وهذا الرجل هو عبد الله بن أريقط على ما في كتب السير، والبخاري لم يسمه. وفي هذا أن النبي ﷺ استأجر دليلًا كافرًا يثق بأمانته، وأخذ بالأسباب مع التوكل، وقد استدل العلماء به على جواز الاستعانة بالكافر الأمين في المصالح المباحة.

في الغار

ثم لحق النبي ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال. وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس. وتصنع لهما أسماء بنت أبي بكر سفرتهما كما هو معروف في ذات النطاقين.

وفي الصحيحين عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما». وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وأما ما يُروى أن أبا بكر وضع قدمه على جحر في الغار فلدغته حية وهو صابر لئلا يتحرك النبي ﷺ، فهذا خبر ذكرته بعض كتب الفضائل بإسناد لا يثبت، فلا نثبته.

الجائزة

وجعلت قريش دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، وهي مئة من الإبل في بعض الروايات، كما في حديث سراقة رضي الله عنه عند البخاري. وقال سراقة: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجّه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرّب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان. فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله ﷺ. فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: «أخف عنا». فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله ﷺ.

قوله لسراقة

وهكذا جاء سراقة في أول النهار جاهدًا عليهما وآخره حارسًا لهما، فلما رجع قال لمن لقي في طريقه: كفيتم هذا الوجه، فلا يلقاه أحد. وفي رواية أن النبي ﷺ قال له في ذلك المقام: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟»، وقد ذكرها بعض أهل السير والحاكم، وإسنادها فيه مقال، وفيها أن عمر بن الخطاب ألبسه سواري كسرى لما فتحت فارس. وقد تحقق ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه.

أم معبد

وأما قصة أم معبد الخزاعية التي نزل عندها النبي ﷺ في الطريق، وفيها شاة هزيلة حلبها النبي ﷺ فدرّت، ووصف زوجها أبو معبد النبي ﷺ لما عاد، فهي مشهورة في كتب السيرة والفضائل، رواها الحاكم والطبراني وابن سعد وغيرهم من طرق ضعيفة الإسناد يقوي بعضها بعضًا عند بعض المحققين، ولا يُجزم بصحة ألفاظها كلها. والأولى أن تُذكر مع بيان الحال لا أن تساق مساق الثابت.

بريدة الأسلمي

وذكر ابن إسحاق أن بريدة بن الحصيب الأسلمي لقي النبي ﷺ في الطريق في ناس من قومه يريد بهم الجائزة، فكلمه النبي ﷺ فأسلم وأسلم من معه نحو ثمانين بيتًا، ثم صلى بهم العشاء الآخرة، وعقد للنبي ﷺ لواء من عمامته وحمله بين يديه. وهذا الخبر في كتب السير، ولا يثبت من وجه صحيح، لكن ثبت إسلام بريدة وأنه صحابي جليل شهد المشاهد بعد ذلك.

الوصول إلى قباء

ثم سار النبي ﷺ في طريق الساحل وسلك طرقًا لا يسلكها الناس، ومرّ بمواضع يذكرها أهل السير، حتى بلغ قباء في يوم الاثنين، كما ثبت في الصحيح. فتم خروجه من مكة سالمًا بحفظ الله ورعايته، لم يمنعه من قريش حشد ولا أرصاد. وفي هذه المسيرة المباركة أنموذج للتوكل: خطة محكمة بدليل خبير، وراحلة معدّة، وكتمان للخبر، ثم تفويض إلى الله، وفي ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

العبرة

التوكل الحق يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، ومن كان الله معه لم تضره قوة الناس؛ ومعية الله هي سكينة القلب عند الخوف.

المصدر: صحيح البخاري (حديث عائشة الطويل في الهجرة؛ وحديث أبي بكر في الغار؛ وحديث سراقة)؛ صحيح مسلم (حديث أبي بكر في الغار)؛ القرآن الكريم: سورة التوبة الآية 40؛ سيرة ابن إسحاق؛ طبقات ابن سعد؛ مستدرك الحاكم (أم معبد)

الدرجة: حديث عائشة وحديث الغار وحديث سراقة في الصحيح؛ وتسمية الدليل ابن أريقط في كتب السير؛ وقصة أم معبد ولدغ الحية لأبي بكر وإسلام بريدة في الطريق ضعيفة أو غير ثابتة وقد نبّهنا على ذلك