Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٦ دقائق

دار الندوة: ثلاثة آراء ومكر الله خير الماكرين

النبي ﷺ وقريش وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حين تأكدت قريش

لما بايع الأنصار النبي ﷺ وبدأ المسلمون يخرجون إلى المدينة أرسالًا، أدركت قريش أن الدين الجديد وجد له مأوى، وأن النبي ﷺ لو لحق بهم فسيكون لهم قوة. وقد ذكر الله ما جرى في قريش في قوله تعالى من سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية خبر ما جرى، وحسّن ابن كثير إسناده.

الآراء الثلاثة

قال ابن عباس: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال. هذا ما رواه أحمد عن ابن عباس، وهو أصح ما ورد في خبر تشاور قريش وخروج النبي ﷺ وبقاء علي على فراشه.

رواية ابن إسحاق: دار الندوة

وأما التفصيل الكامل لاجتماعهم في دار الندوة فرواه ابن إسحاق عن ابن عباس وعن غيره، وهو من أشهر أخبار السير. قال: لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه.

فلما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في رسول الله ﷺ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفًا على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا. قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم. وهذه الصورة في السيرة من رواية ابن إسحاق، وليست في الصحيح، ويذكرها المفسرون في تفسير الآية.

الرأي الأول والثاني

قال أبو البختري بن هشام: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا والنابغة، ومن مضى منهم، من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم. ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره. فتشاوروا. ثم قال أبو الأسود ربيعة بن عمرو: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، وقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد.

رأي أبي جهل

فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له.

أمر جبريل

قال ابن إسحاق: فأتى جبريل عليه السلام رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «نم على فراشي وتسجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم». وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام. وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ خرج عليهم فأخذ حفنة من تراب في يده وأخذ الله على أبصارهم عنه، فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس، وذكر مطلع السورة إلى قوله تعالى ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، حتى فرغ من هذه الآيات. وهذا الجزء من الخبر في إسناده ضعف، ولا يجزم به، والثابت منه في رواية أحمد عن ابن عباس هو خروجه وبقاء علي على فراشه.

ثم أتاهم آت

ثم قال ابن إسحاق: وأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا. قال: خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب. ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًّا على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله ﷺ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائمًا عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدثنا. هذا ما ذكره ابن إسحاق، وهو مشهور، وتُنبَّه على أن بعض تفاصيله لا يثبت.

الأمانات

وفي السيرة أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يتخلف بمكة ليؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، فقد كانت قريش على كفرها بما جاء به تودع عنده نفائسها لعلمها بأمانته. وهذا الخبر في السير مشهور، ويشهد له ما ثبت من أن النبي ﷺ كان معروفًا بالأمين قبل البعثة. وهو درس عظيم: خرج النبي ﷺ من بين قوم أرادوا قتله، وهو لا ينسى أن عنده أمانات لهم، فكلف عليًّا بردها.

النتيجة

أراد المشركون أن يمنعوا النبي ﷺ من الخروج فأخرجهم الله من دينهم الحصين، فخرج وأعمى عنه أبصارهم، فكانوا بين قتل ينتظرونه فإذا هو قد خرج، ومطاردة لا يدركونه فيها، حتى هلكوا في بدر وبقي ذكرهم عبرة لمن بعدهم. قال تعالى بعد الآية: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فمكر الله هنا تدبيره وإبطاله كيدهم، لا مكر الخديعة المذموم. ويقول المفسرون إن في ذلك أن من أراد إطفاء نور الله ردّ الله كيده في نحره.

العبرة

إذا أجمع أهل الباطل على مكر فإن تدبير الله فوق تدبيرهم؛ وفداء النبي ﷺ بنفسه لا يكون إلا بالتوكل مع الأخذ بالأسباب، وحفظ الأمانات حتى مع الخصوم.

المصدر: مسند أحمد (حديث ابن عباس في تفسير آية الأنفال 30)؛ سيرة ابن إسحاق (ابن هشام)؛ تفسير ابن كثير لسورة الأنفال؛ البداية والنهاية

الدرجة: قرار قريش الثلاثة (الإثبات أو القتل أو الإخراج) وبقاء علي على الفراش والعنكبوت عند الغار رواه أحمد وحسّن ابن كثير إسناده؛ وتفصيل دار الندوة وإبليس في صورة شيخ نجدي مذكور في سيرة ابن إسحاق وليس في الصحيح؛ وخبر ذرّ التراب وتلاوة يس ضعيف الإسناد