Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

المؤاخاة: دلوني على السوق

عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وسلمان وأبو الدرداء وأبو طلحة رضي الله عنهم

إخوة في الله

لم يكن المهاجرون حين قدموا المدينة يملكون إلا ثيابهم، فقد تركوا في مكة أموالهم ودورهم. وكان الأنصار أهل أرض ونخل وزرع. فآخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة. وفي رواية أخرى: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار في داري. قال أهل العلم: المراد بالمؤاخاة أن يشارك كل منهما أخاه فيما يملك، وأنها كانت وسيلة لمواساة المهاجرين. وأما عدد الذين آخى بينهم فقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد أنهم تسعون، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، وفي بعض الروايات مئة، ولا يثبت العدد بإسناد صحيح.

عبد الرحمن وسعد

روى البخاري عن أنس قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان كثير المال. فقال سعد لعبد الرحمن: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك. أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي ﷺ: «مهيم؟» قال: تزوجت. قال: «كم سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ: «أولم ولو بشاة». وهذا الحديث في البخاري ومسلم، وفيه أن عبد الرحمن لم يقبل مال أخيه ولم يقبل أن يطلق له زوجة، وإنما سأل عن السوق، وكان ذلك بداية ثروة الرجل الذي صار من أغنياء الصحابة.

وفي رواية أخرى للبخاري في هذا الباب أن الأنصار قالوا للنبي ﷺ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لا». فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. ففيها بيان أن النبي ﷺ لم يرتضِ تقسيم الأرض والنخيل بينهم دفعة، وإنما جعل المهاجرين يعملون في بساتين الأنصار ويقتسمون الثمر، حتى لا يخرج الأنصار من أموالهم، ولا يكون المهاجرون عالة.

الآية الكريمة

وفي ذلك قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقد ذكر المفسرون أنها في الأنصار، وأن الدار هي المدينة، وأن تبوؤ الإيمان معناه استقرار الإيمان في قلوبهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه خبر الضيف الذي نزلت بسببه هذه الآية: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقلن: ما عندنا إلا الماء. فقال رسول الله ﷺ: «من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: «لقد عجب الله عز وجل، أو ضحك، من فلان وفلانة». فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذا الأنصاري هو أبو طلحة كما سماه بعض الرواة، وقال بعضهم: بل غيره، وفي تسميته خلاف، والمتفق عليه أنه رجل من الأنصار.

سلمان وأبو الدرداء

ومن أخبار المؤاخاة ما رواه البخاري عن أبي جحيفة قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: «صدق سلمان». وهذه الأخوة لم تكن مادية فحسب بل كانت أخوة في التوجيه والنصح.

التوارث بالمؤاخاة

وكانت المؤاخاة في أول الأمر تُورِّث بها بعض الأحكام، ثم نُسخ ذلك. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجر دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له. وهذا الأثر يبين أن الأخوة الإيمانية بقيت، وأن الميراث رجع إلى القرابة.

ما بعد المؤاخاة

وقد أثنى النبي ﷺ على الأنصار ثناء كثيرًا، فقال في البخاري ومسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». وقال: «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار». وأوصى بهم عند وفاته فقال: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». ويدل ذلك على أن المؤاخاة كانت بناء حقيقيًّا لمجتمع جديد: فقراء مهاجرون تحولوا بعد سنين إلى تجار وعاملين، وأهل أرض يؤثرون ولا يمنّون.

دروس

لم يرتضِ عبد الرحمن أن يقبل المال ولا الزوجة، وقال: دلوني على السوق، فجمع بين الشكر والعزة. ولم يرتضِ النبي ﷺ أن يقسم الأنصار أرضهم، وشرع للمهاجرين أن يعملوا ويشاركوا. والمعنى الذي نخرج به أن الإيثار لا يلغي العمل، وأن المواساة لا تكون ذلة، وأن الأخوة في الله تبقى وإن تغيرت أحكام الميراث.

العبرة

الأخوة الإيمانية تقتضي الإيثار من المعطي والعفة من الآخذ؛ ومن أعظم ما يحفظ كرامة المحتاج أن يعمل ويكسب، وأن يُدل على السوق لا على الصدقة.

المصدر: صحيح البخاري (حديث أنس في المؤاخاة، حديث عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع؛ حديث أبي جحيفة في سلمان وأبي الدرداء؛ حديث ابن عباس في تفسير سورة النساء)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث الضيف ونزول آية الحشر)؛ تفسير ابن كثير لسورة الحشر؛ فتح الباري لابن حجر

الدرجة: الأحاديث المذكورة كلها في الصحيحين؛ أما عدد المتآخين (تسعون أو مئة) ففي كتب السير ولا يصح بإسناد؛ وتسمية الأنصاري صاحب الضيف باسم أبي طلحة وردت في بعض الروايات وفيها خلاف