ما هي الصحيفة
لما استقر النبي ﷺ في المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، كتب كتابًا نظّم به العلاقة بين مكونات المدينة: المهاجرين من قريش، والأنصار من الأوس والخزرج، واليهود الذين كانوا يسكنون حولها. وقد سماها بعض المؤرخين المحدَثين دستور المدينة، وهو اسم لم يرد في المصادر الأولى، فالمصادر القديمة تسميه كتابًا أو صحيفة. وأورد نصه ابن إسحاق في السيرة (ورواه ابن هشام عنه)، وذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال بإسناد عن الزهري، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية. ولا بد أن نذكر هنا درجته بأمانة: فنص الوثيقة كاملًا لم يصح بإسناد متصل، وقد ذهب جماعة من الباحثين المعاصرين كأكرم ضياء العمري إلى قبول أصله وأن ألفاظه قديمة تدل على صدقه، وتكلم آخرون في إسناده. وفي الصحيحين وغيرهما أحاديث تشهد لبعض بنوده كما سيأتي.
الأمة الواحدة
جاء في أول الصحيفة بحسب رواية ابن إسحاق: «هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس». ثم فصّل الكتاب أحوال كل جماعة: المهاجرون من قريش على ما كانوا عليه من دفع الديات وفداء أسراهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكذلك بنو عوف وبنو ساعدة وبنو الحارث وبنو جشم وبنو النجار وبنو عمرو بن عوف وبنو النبيت، كل منهم يتعاقلون بينهم على ربعتهم، أي على حالهم الأولى. وهذا يدل على أن الإسلام لم يمح الأعراف النافعة بل أبقى منها ما فيه عدل. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كتب على كل بطن عقوله، أي ديته، ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه.
لا يترك المؤمنون مفرَحًا
ومن بنودها: «وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل»، والمفرح هو المثقل بالدين أو الكثير العيال. وفيها: «وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم». وفي هذا أن الجماعة كلها تقف ضد الظالم ولو كان ابن أحدهم. «ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن». ويشهد لهذا ما رواه البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ: «المدينة حرم ما بين عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين... وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، وفي رواية: «ولا يقتل مسلم بكافر». فهذه الصحيفة المروية في البخاري هي غير صحيفة المدينة المعاهِدة، لكنها تدل على أن النبي ﷺ كان يكتب ويُكتب عنه في أمور الدماء والذمم، وأن ما ورد في الوثيقة من «ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم» له أصل ثابت.
بنود تخص اليهود
وفي الصحيفة بنود تخص اليهود، منها: «وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم». و«أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته». وتكررت العبارة نفسها لسائر قبائل اليهود: بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني ثعلبة. وفي ذلك أن النبي ﷺ لم يكره أحدًا على الدخول في الإسلام، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، لكن هذه الحرية الدينية مقيدة بالالتزام بالعهد، فمن خان وغدر فلا يجير عليه العهد، ولهذا قال النص: «إلا من ظلم وأثم».
ومن البنود: «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين»، و«وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم»، و«وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم»، و«وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة»، و«وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم»، و«وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها». وفي هذه البنود حفظ حرمة المدينة، وحماية الجوار، ومنع الإضرار بالجار.
المرجع عند الاختلاف
وأهم ما في الوثيقة من الناحية السياسية البند الذي يحدد المرجع: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله ﷺ، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره». أي أن مرجع الخلاف هو الله ورسوله، لا العصبية القبلية ولا الثأر. وهذا مقتضى قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وفي الصحيفة أيضًا: «وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها»، أي لا تُعطى قريش جوارًا ولا حماية، لأنها كانت في حالة عداء مع المسلمين، «وأن بينهم النصر على من دهم يثرب»، أي أن الجميع يتناصرون ضد من يهجم على المدينة.
وختامها
واختُتمت الصحيفة بقوله: «وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ». وهذا الختام يؤكد أن العهد لا يحمي الظالم والخائن، وأن الأمان مكفول لمن التزم.
بين الأصل والتفسير
يحسن هنا أن نفرّق بين ما جاء في النص، وما أضافه بعض المعاصرين من تفسيرات. فقد ذكر بعضهم أن الصحيفة كانت وثيقة واحدة كتبت في وقت واحد، وذكر بعض الباحثين أنها وثيقتان أو أكثر جمعت لاحقًا، لأن فيها ذكر اليهود مرتين بصيغتين مختلفتين، وأن بعض بنودها يعكس مرحلة ما قبل بدر. ومصادرنا لا تجزم بتاريخ كتابتها بالضبط، لكن الراجح عند أكثر من تناولها أنها كُتبت في السنة الأولى للهجرة قبل الأحداث المعروفة مع بني قينقاع ثم بني النضير ثم بني قريظة، فهي تعبّر عن مرحلة بناء المجتمع الأول.
وقد حصل بعد ذلك أن نقض بعض اليهود العهد، فكان جزاؤهم بحسب ما نقضوا، كما هو مفصل في كتب السير والمغازي. وقد جاء في سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ﴾، وهو بيان للتعامل مع نقض العهد. فالمسلمون لم ينقضوا العهد ابتداءً، وإنما نُقض عليهم، فكان لهم الحق في الرد.
دلالات
دلّت الصحيفة على أن النبي ﷺ لم يكن قائدًا دينيًّا فحسب، بل كان يبني مجتمعًا تتعاون فيه الطوائف وتتحدد فيه الحقوق والواجبات. وتبين أن الأمة تقوم على العقيدة لا على القبيلة، وأن الدفاع المشترك واجب، وأن العدل هو أساس البقاء، وأن الحرية الدينية مكفولة لمن التزم بالعهد.
