الكتاب وحامله
بعد صلح الحديبية بعث النبي ﷺ رسائل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. ومن أشهرها كتابه إلى هرقل عظيم الروم، وقد رواه البخاري في أول صحيحه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان. وقد جاء فيه أن النبي ﷺ بعث بكتابه مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. وكان هرقل بإيلياء حين كتب إليه، شكرًا لله لما كشف عنه جنود فارس، يمشي من حمص إلى إيلياء. وهذا يبين زمان الكتاب: بعد انتصار الروم على الفرس، وهو ما بشّر به القرآن في أول سورة الروم.
ونص الكتاب كما في البخاري: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾». ومعنى الأريسيين: الفلاحون والأتباع، أي إن عليك إثم من اتبعك ولم يسلم بسبب إعراضك. وقال أهل العلم: إن لم يسلم فعليه إثم رعيته.
أسئلة هرقل
قال أبو سفيان: وكنا بالشام في تجارة، فأتاني رسول هرقل فأخذني وأصحابي وأدخلنا عليه، فسألنا عن نسب النبي ﷺ وأتباعه وصدقه وعهده وما يأمر به. وذكر البخاري أسئلة هرقل بالتفصيل: هل في آبائه ملك؟ هل قال هذا القول أحد قبله؟ هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ أيزيدون أم ينقصون؟ هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ هل يغدر؟ هل قاتلتموه وكيف كان قتالكم إياه؟ ماذا يأمركم؟ فقال أبو سفيان: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وقد أفردنا لهذا الحوار ما يكفيه في قصة أخرى، والمقصود هنا ما بعده.
ما قاله هرقل
ثم قال هرقل لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قراءة الكتاب
ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرئ، فإذا فيه ما ذكرنا. فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فأخرجنا. قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
ابن الناطور
ويكمل البخاري الحديث بقول الزهري: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سقفًا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. وكان هرقل حزّاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا. فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.
ثم كتب هرقل إلى صاحب له بروميّة، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل.
لماذا لم يسلم
هكذا انتهى الحديث في البخاري: عرف هرقل صدق النبي ﷺ ولم يسلم خوفًا على ملكه وخوفًا من قومه. وقال أهل العلم: في هذا الخبر أن مجرد المعرفة لا تكفي بلا انقياد. وقد رُوي أن النبي ﷺ لما بلغه عن هرقل أنه قال إنه مسلم، قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم، هو على نصرانيته»، وهي رواية في إسنادها مقال، وإن كان معناها موافقًا لما في الصحيح من أنه لم يدخل في الإسلام.
بقية الخبر
وأما دحية الكلبي، فذكر أهل السير أن هرقل أكرمه وأعطاه كسوة، وأن الأسقف ضغاطر الرومي أسلم حين قرأ الكتاب وأعلن إسلامه للروم فقتلوه، وهذا الخبر في إسناده مقال ولا يصح. والثابت هو ما ذكرناه في صحيح البخاري، وهو يكفي لبيان أن رسالة الإسلام وصلت إلى أكبر ملوك عصره بكلمات قليلة: أسلم تسلم.
