Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

أبو بصير وسيف البحر: حين صارت المعاهدة سلاحًا بيد المسلمين

أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي وأبو جندل بن سهيل رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الشرط الصعب

كان من أصعب بنود صلح الحديبية على نفوس المسلمين أن من جاء من قريش مسلمًا يرده النبي ﷺ إليهم، ومن جاء قريشًا من المسلمين لا يردونه. وقد قال عمر وغيره: أنعطي الدنية في ديننا؟ وقال النبي ﷺ لعمر: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري». والتفصيل في حديث المسور ومروان عند البخاري، وفيه خبر أبي بصير بعد ذلك مباشرة، وهو عمدة هذه القصة.

مقدمة: أبو جندل في قيوده

وقد سبقت هذه القصة وقائع كتابة العهد نفسه: فبينما الكتاب يُكتب جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد». قال: فوالله إذن لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ: «فأجزه لي». قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: «بلى فافعل». قال: ما أنا بفاعل. وقال مكرز: بل قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذّب في الله عذابًا شديدًا. هذا في صحيح البخاري، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم». وهذه الزيادة في رواية أحمد وابن إسحاق وليست في سياق البخاري المختصر.

جاء مسلمًا فرُدّ

قال: ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستله الآخر فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو. فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرًا». فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول.

ويل أمه مسعر حرب

فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: «ويل أمه، مِسعَرُ حرب لو كان له أحد». فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. وهذا نص صحيح البخاري.

استغاثة قريش

فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم. أي أنهم هم الذين طلبوا إسقاط الشرط الذي اشترطوه. وفي حديث البخاري نفسه أن الله أنزل بعد ذلك قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى ما بعدها. وقال أهل العلم: كانت في ذلك حكمة، إذ إن قريشًا لم تقدر على الاحتفاظ بشرطها فأسقطته بنفسها. وذلك لأن أولئك المسلمين لما لم يجدوا ملجأ في المدينة بحكم العهد، صاروا شوكة في خاصرة تجارة قريش، فأدركت قريش أن الشرط الذي أرادت به الإضرار بالمسلمين انقلب عليها.

موت أبي بصير

وأما نهاية أبي بصير فذكر ابن إسحاق وغيره أن كتاب النبي ﷺ جاء أبا بصير وهو يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه وبنى عند قبره مسجدًا. وهذا الخبر لا يثبت له إسناد صحيح، فنورده بحسب ما جاء في كتب السير.

آية الكف

ومما ذُكر في أسباب نزول قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلمًا فاستحياهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذا الحديث دليل على ما كان في الحديبية من محاولات قريش، وعلى كف الله أيديهم، وعلى عفو النبي ﷺ عمن أسرهم.

المهاجرات

ومن نتائج الصلح أيضًا ما رواه البخاري في حديث المسور ومروان: ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ الآية. فبيّن الله أن شرط ردّ من جاء مسلمًا خاص بالرجال، ولا يدخل فيه النساء. وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي ﷺ يومئذ، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم للآية. وقال عروة: فأخبرتني عائشة أن النبي ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية. وروى البخاري أن عمر كان له امرأتان في الشرك فطلقهما بعد نزول الآية.

فقه القصة

قال العلماء: في هذه القصة أن النبي ﷺ وفى بعهده ولم ينقض الشرط ولم يحبس أبا بصير، لكنه لم يمنعه من الخروج إلى أرض ليست تحت سلطانه، ولم يأمره بالانضمام إليه. وقال بعض أهل العلم إن أبا بصير ومن معه لم يكونوا تحت أمر النبي ﷺ ولا في مجتمعه، فلم يكن عليه تبعة أفعالهم، وأن قتل أبي بصير للرجل كان دفاعًا عن دينه وأمانه بعدما رُدّ إلى من يفتنه. وفي الحديث أيضًا ما يدل على حسن سياسة النبي ﷺ حيث تحمل ضيق الشرط وصبر عليه، حتى جاءه الفرج من حيث لم يحتسب.

الخلاصة

بدأ أبو بصير مردودًا مقيدًا، وانتهى مؤسسًا لمجموعة تقطع طريق قريش التجاري. والثابت في الصحيح هو الأصل الذي ذكرناه، وما سواه من التفاصيل فمما زاد في كتب السير. وقد صار صلح الحديبية الذي ظنه بعض الصحابة غبنًا، مقدمة لفتح مكة وإسلام قريش.

العبرة

الوفاء بالعهد حتى لو بدا ثقيلًا يجعل الله منه مخرجًا؛ وما يراه الناس ضعفًا قد يكون عين القوة، والعاقبة للمتقين.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الشروط: حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في صلح الحديبية وخبر أبي بصير)؛ صحيح مسلم (حديث أنس في نزول آية الكف)؛ سيرة ابن إسحاق (وفاة أبي بصير)؛ زاد المعاد لابن القيم؛ فتح الباري

الدرجة: خبر أبي بصير ومجيء المهاجرات ونزول آية الامتحان في صحيح البخاري؛ وحديث أنس في صحيح مسلم؛ وخبر وفاة أبي بصير وكتاب النبي ﷺ في يده وبناء المسجد لا يثبت له إسناد