سفير إلى مصر
من الملوك الذين كتب إليهم النبي ﷺ بعد الحديبية المقوقس عظيم القبط في مصر والإسكندرية، وكان يُذكر في كتب التاريخ باسم جريج بن مينا. وحمل الكتاب حاطب بن أبي بلتعة اللخمي رضي الله عنه، وهو من أهل بدر. وهذه القصة ليست في الصحيحين، وإنما رواها ابن سعد في الطبقات، وابن عبد الحكم في فتوح مصر، ونقلها ابن كثير وغيره في كتب السيرة. وأسانيدها لا تخلو من ضعف، ولذلك نذكرها كما جاءت في كتب السير مع التنبيه على درجتها، ونفصل بين ما وقع ثابتًا في الصحيح وبين ما انفردت به كتب التاريخ.
وذكر أهل السير أن كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس كان بنحو كتابه إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...﴾». وهذا النص الذي جاء به ابن سعد وغيره يختلف في بعض ألفاظه عن بعض، وأما نص كتاب هرقل فثابت في البخاري كما قدمنا.
حوار حاطب والمقوقس
قال حاطب: فقدمت عليه فأنزلني في منزله وأقمت عنده أيامًا، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته، وقال: إني سائلك عن كلمات فأحب أن تفهم عني. قلت: هلم. قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيًّا؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ فقلت له: أليس عيسى ابن مريم تشهد أنه رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أنت حكيم جاء من عند حكيم.
وفي رواية ابن سعد أن حاطبًا قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك. فقال المقوقس: إن لنا دينًا لن ندعه إلا لما هو خير منه. فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقدَ ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح بل نأمرك به. وهذا الكلام ذكره ابن سعد في طبقاته وليس في إسناده ما يعتمد عليه، فيُنقل على الحكاية.
رد المقوقس
قال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب رسول الله ﷺ فجعله في حُقّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبًا يكتب بالعربية فكتب إلى النبي ﷺ: «لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًّا قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك».
ولم يزد على ذلك ولم يُسلم. وقد ذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ قال حين قرأ كتابه: «ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه». وهذه العبارة وردت في كتب السير ولا يثبت لها إسناد قوي، لكنها موافقة لما حدث من أن المقوقس لم يسلم وانتهى حكم الروم في مصر بعد ذلك بقليل.
الهدايا
أما الهدايا فذكر ابن سعد وابن عبد الحكم أنها كانت جاريتين: مارية وأختها سيرين، وأنه أهدى معهما ألف مثقال من الذهب وعشرين ثوبًا من ثياب مصر الرقيقة، وبغلته المسماة دلدل، وحمارًا يقال له يعفور، وعسلًا من بنها، وخصيًّا يخدمهما اسمه مأبور. وذكروا أن حاطبًا عرض عليهما الإسلام في الطريق فأسلمتا. ثم تزوج النبي ﷺ ماريةَ، فولدت له إبراهيم، وأعطى سيرين لحسان بن ثابت. وذكر أهل السير أن أصل مارية من قرية حفن بصعيد مصر. وهذه التفاصيل مأخوذة من كتب السيرة والطبقات وفي أسانيدها مقال، وأصل أن المقوقس أهدى للنبي ﷺ ثابت في الجملة: فقد ثبت في الصحيح ولد إبراهيم للنبي ﷺ من مارية، وثبت أن النبي ﷺ ركب بغلة أهداها له صاحب أيلة (البخاري)، ولم يثبت في الصحيح تسمية المقوقس صراحة.
إبراهيم ابن النبي ﷺ
روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم»، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له أبو سيف. قال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون». وفي البخاري عن البراء: لما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ: «إن له مرضعًا في الجنة». وكسفت الشمس يوم موته فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم، فقال ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف». فيه نفي ما كان الناس يتوهمونه، ورفض النبي ﷺ أن يستغل الحدث لمصلحة نفسه.
وصية بأهل مصر
ومن أهم ما صح في الباب ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا». وفي رواية: «فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة وصهرًا». قال العلماء: الرحم هي كون هاجر أم إسماعيل عليه السلام منهم، والصهر هو تزوج النبي ﷺ من مارية. فهذا الحديث الصحيح يشير إلى أن علاقة النبي ﷺ بمصر ثابتة، وأن ماريةَ كانت سببًا في وصيته بالقبط.
عاقبة المقوقس
ولم يسلم المقوقس، فبقي على نصرانيته ثم تغيرت الأحوال بعد ذلك: ففي عهد عمر رضي الله عنه فتح عمرو بن العاص مصر. وتذكر كتب التاريخ أن للمقوقس شأنًا في مفاوضات فتح مصر، مع اختلاف المؤرخين في شخصه وفي تفاصيل ما جرى، فلا يُجزم بها. وبقي الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ دليلًا على أن الإسلام وصل إلى بلاد القبط قبل أن يدخلها جيش المسلمين بعدة سنين.
درجة الخبر
نؤكد أن خبر حاطب والمقوقس وهداياه من الأخبار التي ينقلها أهل السير وليست في الصحيحين، وفي إسنادها مقال، فنرويها على أنها قصة تاريخية معروفة لا يثبت منها بالقطع إلا ما وافق الصحيح: ولادة إبراهيم من مارية، ووصية النبي ﷺ بأهل مصر، ووجود بغلة مهداة للنبي ﷺ. ولذلك يُستحسن عند روايتها أن يُقال: ذكر أهل السير.
