Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الخاتم والرسائل: تسعة سفراء إلى ملوك الأرض

النبي ﷺ وسفراؤه إلى الملوك

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

لماذا الخاتم

بعد صلح الحديبية اطمأن النبي ﷺ إلى أن الطريق صار مفتوحًا، فعزم على أن يكتب إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام. وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، كأني أنظر إلى وبيصه ونقشه: محمد رسول الله. وفي رواية: كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وقد استدل العلماء به على مشروعية الخاتم للمراسلات. وذكر بعض العلماء أن لفظ الجلالة كان في السطر الأعلى ثم رسول ثم محمد في الأسفل، فيُقرأ من أسفل إلى أعلى.

الأمر الإلهي بالتبليغ

وأصل هذه المراسلات في القرآن الكريم قول الله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى. وهذا هو الأصل الثابت المجمع عليه، أما تفصيل الأسماء والتواريخ فمن كتب السير.

السفراء والملوك

ذكر ابن سعد وابن القيم في زاد المعاد وابن كثير في البداية والنهاية ممن بعثهم النبي ﷺ: دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية، وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندى في عُمان، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي صاحب البحرين، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن. وهذه القائمة مشهورة عند أهل السير، وفي أسانيد بعض أفرادها مقال، لكنها لا تُعارض الثابت.

وفي بعض كتب السير أن النبي ﷺ خرج على أصحابه يومًا فقال: «إن الله بعثني رحمة وكافة، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم». فقالوا: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟ قال: «دعاهم إلى مثل ما دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثًا قريبًا فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثًا بعيدًا فكره وجهه وتثاقل». وهذا الخبر ذكره ابن سعد وغيره في سياق هذه المراسلات، وهو من الأخبار التي لا يُجزم بإسنادها، وفيه أن كل سفير أُرسل إلى قوم يتحدث لغتهم.

نتائج الرسائل

كانت النتائج متفاوتة، كما ذكر أهل السير. فالنجاشي أصحمة أسلم وصدّق، ثم مات فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب (الصحيحان). وهرقل عرف صدق النبي ﷺ ولم يسلم (البخاري). وكسرى مزق الكتاب فمزق الله ملكه (البخاري). والمقوقس أكرم الرسول وأهدى هدايا ولم يسلم (على ما ذكره ابن سعد). وأما المنذر بن ساوى فأسلم وأسلم معه أهل البحرين، فيما ذكره ابن إسحاق وابن سعد. وجيفر وعبد ابنا الجلندى أسلما بعد أن لقيهما عمرو بن العاص. وأما هوذة بن علي فرد ردًّا جميلًا وطلب أن يشركه النبي ﷺ في الأمر، فلم يجبه، ومات بعد حين على كفره، على ما ذكره ابن سعد وغيره. والحارث الغساني غضب وهدد، ثم صار بعض ملوك الغساسنة مع الروم عدوًّا للمسلمين.

لغة الكتب

أكثر الكتب التي نقلها المؤرخون تبدأ بالبسملة، ثم اسم المرسِل ثم المرسَل إليه، ثم السلام على من اتبع الهدى، ثم أما بعد، ثم الدعوة: أسلم تسلم. وهذه الصيغة متشابهة، وتعطي الملك فرصة أن يأمن على نفسه وملكه إن أسلم. ويبدو من ذلك أن الكتب كانت متقاربة الصيغة والمضمون، وإن اختلفت في بعض الألفاظ بحسب من أرسلت إليه. ولم يكن النبي ﷺ يطلب ملك أحد، فقد ثبت في كتبه ما يدل على أن من أسلم بقي على ملكه، كما فعل مع المنذر بن ساوى.

قيمة الوثائق

مما يستحق الذكر أن بعض الباحثين نسبوا إلى هذه الكتب نسخًا اكتُشفت في العصر الحديث، لكن الحكم عليها يحتاج إلى بحث علمي دقيق، فلا نجزم بصحة نسبتها، ونكتفي بما نقله العلماء الأقدمون من نصوصها. وأما ما صح في الباب فهو أن النبي ﷺ كتب إلى الملوك بعد الحديبية، وأنه اتخذ خاتمًا لذلك، وأن الدعوة وصلت إلى ملوك الأرض في زمنه.

أدب السفارة

ومن أحكام هذه المراسلات حرمة الرسل. فقد روى أبو داود وأحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسولين جاءا من مسيلمة الكذاب إلى النبي ﷺ فقال لهما: «أتشهدان أني رسول الله؟» قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال: «آمنت بالله ورسله، لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». وفي رواية: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما». قال ابن مسعود: فمضت السنة ألا يقتل الرسل. وهذا الحديث صححه جماعة من أهل العلم، وفيه أن النبي ﷺ حفظ حصانة الرسول حتى حين جاءه بكلام كفر، فكيف بحق رسله هو؟ ولذلك كان قتل رسول الله ﷺ الحارث بن عمير غدرًا عظيمًا استوجب الرد.

وقفة

هذه الرسائل كانت إعلانًا بأن الإسلام ليس دين قبيلة ولا إقليم، بل رحمة للعالمين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. فأرسل النبي ﷺ سفراءه برسائل قصيرة واضحة، وتحمل السفراء المخاطرة، فمنهم من رجع بخبر الخير، ومنهم من لم يرجع كالحارث بن عمير الأزدي الذي قتله شرحبيل الغساني وهو في طريقه إلى بصرى، فكان ذلك سببًا لغزوة مؤتة، وفق ما في كتب السير، وهو من أهم أسباب هذه المعركة.

العبرة

رسالة الإسلام عالمية، وأدب التبليغ يقوم على الوضوح والاختصار والاحترام، وللسفير أمانة وخطر وأجر.

المصدر: صحيح البخاري (حديث أنس في اتخاذ الخاتم ونقشه)؛ صحيح مسلم (حديث أنس: كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار)؛ طبقات ابن سعد؛ زاد المعاد لابن القيم؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ القرآن الكريم: سبأ 28، الأعراف 158، الأنبياء 107

الدرجة: اتخاذ الخاتم وثبوت المكاتبة للملوك في الصحيحين؛ وأسماء السفراء والملوك وما جرى معهم من كتب السير والتاريخ وبعضها بأسانيد ضعيفة؛ وخبر اختلاف الحواريين ونسخ الكتب المحفوظة لا يثبتان