Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

كتب الأمان في الفتوح: الحيرة ودمشق ومصر

خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

معاهدات لا غنائم

كان الصحابة في الفتوحات يعرضون على أهل البلاد ثلاثة أمور، كما كان النبي ﷺ يوصي أمراء الجيوش: الإسلام، أو الجزية، أو القتال. روى مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أمّر أميرًا على جيش أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال...» وذكر الإسلام ثم الجزية ثم القتال. وقد كانت الجزية بمثابة عقد حماية، ولذلك كانت كتب الأمان تكتب مع كل صلح. وهذا ما نرى أثره في ثلاث معاهدات مشهورة.

صلح الحيرة

الحيرة مدينة عربية في العراق على مقربة من الكوفة اليوم، كانت عاصمة اللخميين. ولما فتح خالد بن الوليد رضي الله عنه العراق في عهد أبي بكر سنة اثنتي عشرة، خرج إليه أشراف الحيرة. وروى الطبري وأبو يوسف في الخراج أن خالدًا كتب لهم كتابًا: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من خالد بن الوليد لعدي بن عدي وعمرو بن عدي وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال، وكانوا رؤساء أهل الحيرة...» وجاء فيه أنهم يعطون تسعين ومائة ألف درهم جزية، وأنه لا تُهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصر من قصورهم التي يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم، ولا يمنعون من ضرب نواقيسهم ولا من إخراج صلبانهم في يوم عيدهم. وجاء فيه أيضًا ما معناه: فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا. فهي إذًا في مقابل الحماية.

وأما قصة السم التي تُروى أن خالدًا شرب السم أمام عمرو بن عبد المسيح وقال: بسم الله خير الأسماء رب الأرض والسماء الذي ليس يضر مع اسمه داء، فلم يضره، فهي مذكورة في بعض كتب التاريخ، ولا يصح لها إسناد، فنتركها.

دمشق

وفي سنة أربع عشرة حاصر المسلمون دمشق، وكان خالد قد وصل إليها من العراق. وذكر الطبري وابن كثير أن خالد بن الوليد عقد لأهلها كتابًا: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها: أعطاهم أمانًا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله والخلفاء والمؤمنين، لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية». وذكروا أن المسلمين اختلفوا فيها: فأبو عبيدة دخل من باب الجابية صلحًا، وخالد دخل من الباب الشرقي عنوة، فالتقوا في وسط المدينة، فأمضى أبو عبيدة صلح خالد وأجاز أمانه للجميع، وقالوا في ذلك إن أمان الواحد من المسلمين جائز على سائرهم. وهذا ما ذكره ابن كثير نقلًا عن أهل المغازي، وفيه إشارة إلى الأصل الثابت في الصحيحين: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، فإذا أجار واحد منهم أحدًا لم يجز لغيره نقض جواره.

رد الجزية في حمص

ومما يُنقل في أخبار هذه الفتوح أن أبا عبيدة لما جمع الروم له جموعًا وخاف على حمص، كتب إلى أمراء المدن التي صالحها يأمرهم أن يردوا ما أخذوا من الجزية، وقال لأهلها: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم. فقال أهل المدن: ردكم الله علينا ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئًا. وهذا الخبر رواه أبو يوسف في الخراج والبلاذري، وفي إسناده انقطاع، ولكنه مشهور ومتداول بين الفقهاء.

مصر

وفي مصر فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه الفسطاط ثم الإسكندرية، وكتب لأهل مصر كتاب الأمان. وروى ابن عبد الحكم في فتوح مصر نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب». ثم فيه شروط الجزية وزيادة النيل والتزامات الطرفين. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا». وقد أخذ عمرو بهذه الوصية. أما قصة بنت النيل التي تروى أن أهل مصر كانوا يرمون في النيل جارية فمنع عمرو ذلك وكتب عمر بطاقة ألقيت في النيل فجرى، فهي قصة مشهورة لا يثبت لها إسناد صحيح، بل ذكر بعض العلماء أنها لا تصح، فلا نعتمدها.

ضمانات النبي ﷺ لأهل الذمة

وكل هذه المعاهدات إنما بُنيت على أصول ثابتة في الصحيح. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا». وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة». وهذا يبين أن العهود لم تكن شكلية بل كانت أساسًا في سياسة الفتح، وأن نقضها إثم عظيم.

الدرس

تبين من هذه الكتب أن الفتح الإسلامي كان يقوم على الأمان والعهد، فلم تكن البلاد المفتوحة تُجبر على الإسلام، بل كانت تحتفظ بكنائسها وأموالها وأعرافها مقابل الجزية والحماية. ومن المهم عند نقل هذه النصوص أن نتحرى درجتها، فإن أكثرها نُقل من كتب التاريخ والخراج بأسانيد ضعيفة، وإن كان مضمونها مشهورًا ومتفقًا مع الأصول الثابتة.

العبرة

الوفاء بالعهد أصل في الفتح الإسلامي، وأمان الواحد من المسلمين يلزم الجميع، ومن نقض عهد معاهد فقد تعرض لخصومة النبي ﷺ يوم القيامة.

المصدر: صحيح مسلم (وصية الأمير بالجيش من حديث بريدة؛ وصية مصر من حديث أبي ذر)؛ صحيح البخاري (من قتل معاهدًا؛ ذمة المسلمين واحدة)؛ سنن أبي داود (من ظلم معاهدًا)؛ تاريخ الطبري؛ الخراج لأبي يوسف؛ فتوح مصر لابن عبد الحكم؛ فتوح البلدان للبلاذري؛ البداية والنهاية لابن كثير

الدرجة: الأحاديث المذكورة في الصحيحين وأبي داود ثابتة؛ ونصوص كتب الأمان (الحيرة ودمشق ومصر) منقولة في كتب التاريخ والخراج بأسانيد فيها ضعف أو انقطاع ومضمونها مشهور؛ وقصة السم لخالد وقصة بنت النيل لا تثبت