Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

العهدة العمرية: أمان أهل إيلياء

عمر بن الخطاب وأبو عبيدة وصفرونيوس بطريرك إيلياء

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حصار إيلياء

بعد أن فتح المسلمون الشام ودمشق وحمص وغيرها، حاصر أبو عبيدة بن الجراح ومعه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان بيت المقدس، المسماة في كتب التاريخ إيلياء. وطال الحصار، فرأى أهلها أنه لا طاقة لهم بالمسلمين، فطلبوا الصلح، لكنهم اشترطوا أن يكتب العقد خليفة المسلمين نفسه. فكتب أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنه بذلك. هذا ما ذكره الطبري في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية.

خروج عمر

ذكر الطبري أن عمر خرج من المدينة واستخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه عليها، ووصل إلى الجابية في ريف الشام، حيث لقيه أبو عبيدة وأمراء الأجناد. وقد ذكر المؤرخون أن عمر دخل الشام راكبًا بعيره، وأنه خاض ماء فخلع خفيه وحملهما على عاتقه، فقال له أبو عبيدة قولًا يكره فيه ذلك، أي أنه لا يليق بمقامه عند أهل الأرض، فقال عمر: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. وهذا الأثر رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهو من أصح ما نُقل عن عمر في هذه الرحلة.

نص العهدة

نقل الطبري نص الكتاب الذي كتبه عمر لأهل إيلياء، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم... وشهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحضر سنة خمس عشرة».

درجة العهدة

يجب التنبيه هنا على أن هذا النص رواه الطبري بإسناد فيه ضعف، وقد نقله بعده كثير من المؤرخين، منهم ابن كثير وابن الأثير وغيرهم، وذكر بعض المحققين أن في ألفاظه ما يدل على ضعف نسبته كلها إلى عمر، مثل اشتراط عدم سكنى اليهود. ويرى بعض الباحثين أن أصل الأمان صحيح وأن فيه تفاصيل أضيفت بعد ذلك. ولذلك فنحن نذكر مضمون العهدة على أنه مروي عند المؤرخين، ولا ننسبه بنصه كله إلى عمر على سبيل الجزم.

عمر عند الكنيسة

ومما يُروى أن بطريرك إيلياء صفرونيوس أخذ عمر يطوف به في كنيسة القيامة، فجاء وقت الصلاة، فقال له: صلِّ هنا. فقال عمر: ما كنت لأفعل. وصلى خارجها على درج الكنيسة، وكتب لهم كتابًا بأن لا يصلي المسلمون على الدرج إلا واحدًا واحدًا، لئلا يتخذه المسلمون بعده ذريعة لسلب الكنيسة. وهذا الخبر ذكره بعض المؤرخين المتأخرين ولا يثبت له إسناد قوي. ونذكر معه أن بعض الروايات تذكر خبر كعب الأحبار في تعيين موضع المسجد الأقصى، وفيه إسرائيليات لا نعتمدها ولا نسوقها هنا.

بشارة النبي ﷺ بفتح بيت المقدس

وفتح بيت المقدس كان مما أخبر به النبي ﷺ قبل وقوعه. روى البخاري عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا...». فكان فتحها في خلافة عمر رضي الله عنه علامة من علامات النبوة، جاء بعد موت النبي ﷺ كما أخبر.

وصية عمر قبل وفاته

وأثبت من هذه الأخبار ما رواه البخاري في صحيحه من وصية عمر رضي الله عنه وهو يحتضر: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم». وهو أصح ما يدل على اتجاه عمر نحو أهل الذمة في آخر حياته. ويقوي ذلك ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».

وقفة مع العهدة

أهم ما في العهدة، إن صح مضمونها، أن الأمان شمل النفس والمال والكنائس والصلبان، وأنه لا إكراه على الدين، وأن الجزية لقاء الحماية، وأن من أراد المغادرة مع الروم آمن حتى يبلغ مأمنه. وهذا يتفق مع قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وهي الآية التي كان العلماء يستدلون بها على البر والإقساط لغير المحاربين.

خلاصة

دخل عمر بيت المقدس بلا قتال، ولم يُهدم فيها كنيسة، ولم يُكره أحد على دين. وهذا هو المشهور عند المؤرخين، وإن لم تصح كل تفاصيل الروايات. وفتحها رضي الله عنه يمثل نموذجًا في الفتح بلا إراقة دماء، وفي الأمانة على أهل الكتاب، وفي تواضع الحاكم.

العبرة

العز بالإسلام لا بالمظاهر، ومن عزّ بغير ما أعزه الله به ذلّ؛ والوفاء بعهد أهل الذمة وصية الإسلام للحكام.

المصدر: تاريخ الطبري (فتح بيت المقدس وكتاب عمر لأهل إيلياء)؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ مستدرك الحاكم (أثر: كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام)؛ صحيح البخاري (وصية عمر عند وفاته بأهل الذمة)؛ سنن أبي داود (باب تعشير أهل الذمة)

الدرجة: أثر «كنا أذل قوم» صحيح عند الحاكم؛ ووصية عمر بأهل الذمة في البخاري؛ ونص العهدة العمرية رواه الطبري بإسناد ضعيف، ومضمونه مشهور عند المؤرخين، وبعض تفاصيله (اشتراط عدم سكنى اليهود) محل نظر؛ وخبر صلاته على درج الكنيسة لا يثبت