Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٦ دقائق

غزوة بدر الكبرى: الرواية المفصلة من الخروج للعير إلى فداء الأسرى

النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم

الخروج للعير لا للقتال

في رمضان من السنة الثانية للهجرة بلغ النبي ﷺ أن قافلة قريش العائدة من الشام، وفيها أموال عظيمة وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب، قريبة من المدينة. وكانت قريش قد أخذت أموال المهاجرين وديارهم بمكة، فندب النبي ﷺ أصحابه إلى القافلة. وذكر ابن إسحاق في السيرة (كما في سيرة ابن هشام) أنه قال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها». ولم يكن في نية أكثر المسلمين قتال جيش، ولذلك تخلف بعضهم ظانًّا أنه لا لقاء حرب. وقد صوّر القرآن هذه الحال في سورة الأنفال، إذ ذكّرهم الله بأنه وعدهم إحدى الطائفتين، وأنهم كانوا يحبون أن تكون لهم الطائفة التي لا شوكة فيها، يعني العير، ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾.

وخرج المسلمون في عدد قليل لا يبلغ ثلاثمائة وعشرين. روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن أصحاب محمد ﷺ ممن شهد بدرًا كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وفي رواية مسلم عن عمر رضي الله عنه أنهم ثلاثمائة وتسعة عشر، وأن المشركين نحو ألف. وكانت دوابهم قليلة، فقد ذكر أهل السير أنهم كانوا نحو سبعين بعيرًا يتعاقبون عليها، وأن الخيل كانت قليلة جدًّا، وروى الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قوله: «ما كان فينا فارس يومئذ غير المقداد».

نجاة العير وإصرار النفير

علم أبو سفيان بخروج المسلمين فغيّر طريقه نحو ساحل البحر ونجا بالقافلة، وأرسل إلى قريش يخبرهم أن قافلتهم قد نجت ويدعوهم للرجوع. لكن أبا جهل رفض الرجوع، وقال كما في السيرة: لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم عليها ثلاثًا. فرجع بعض من خرج، ومضى الجيش. وهنا تحوّل الأمر من اعتراض قافلة إلى لقاء حاسم لم يكن المسلمون قد رتبوا له.

المشورة

عندما بلغ النبي ﷺ أن قريشًا خرجت للقتال استشار أصحابه. فتكلم أبو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: يا رسول الله، امضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. قال ابن مسعود: فكأنه سُرِّي عن رسول الله ﷺ. وكان ﷺ يريد أن يسمع كلمة الأنصار، لأن بيعتهم في العقبة كانت على حمايته في ديارهم، لا على قتال خارجها. فقال له سعد بن معاذ رضي الله عنه كما في سيرة ابن هشام إنهم آمنوا به وصدّقوه وأعطوه عهودهم، وإنه لو استعرض بهم البحر فخاضه لخاضوه معه. فسُرّ النبي ﷺ بقوله ونشّطه.

ليلة المعركة

نزل المسلمون قريبًا من ماء بدر. وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه عن عمر أن النبي ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: «هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله»، قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حدّ رسول الله ﷺ. وفي الليلة السابقة للمعركة أنزل الله على المؤمنين النعاس أمنة منه، وأنزل عليهم مطرًا ثبّت به الأقدام وطهّرهم به، كما سيأتي في قصة سورة الأنفال. وروى أحمد بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما كان فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح.

وذكر ابن إسحاق أن الحُباب بن المنذر أشار على النبي ﷺ بتغيير موضع النزول إلى أدنى ماء من القوم، ليشرب المسلمون ولا يشرب المشركون، فقبل النبي ﷺ رأيه. وهذا مذكور في السيرة بإسناد ليس في درجة الصحيحين، فيُذكر على أنه من أخبار السير.

الدعاء والنصر

روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض». فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾.

وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب». وخرج النبي ﷺ وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾.

المبارزة ومقتل أبي جهل

بدأ القتال بالمبارزة، فخرج من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وخرج لهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم. وروى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه أن قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في هؤلاء الستة يوم بدر. وفي الصحيح أن عليًّا رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.

وفي الصحيحين قصة الغلامين الأنصاريين معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، إذ سألا عبد الرحمن بن عوف عن أبي جهل، وقالا إنهما سمعا أنه يسب رسول الله ﷺ وإنهما عاهدا الله ليقتلنه أو يموتا دونه، فلما أشار إليه ابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه. فلما أخبرا النبي ﷺ قال: «أيكما قتله؟» قال كل واحد: أنا قتلته، قال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله»، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. ثم جاء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوجد أبا جهل به رمق فاحتز رأسه، كما روى البخاري. وقال النبي ﷺ: «هذا فرعون هذه الأمة».

النهاية

ألقي قتلى المشركين في قليب بدر، وقد وقف النبي ﷺ عليهم يناديهم بأسمائهم، فقال له عمر: كيف تكلم أجسادًا لا أرواح لها؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» رواه البخاري ومسلم عن أنس. وأصاب المسلمون يومئذ سبعين من المشركين قتلًا وسبعين أسرًا، كما روى البخاري عن البراء رضي الله عنه. واستُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، على ما ذكره ابن إسحاق.

الأسرى

استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر في الأسرى، فأشار أبو بكر بالفداء ورأى عمر القتل، فمال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر، ثم نزل العتاب في سورة الأنفال: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، ثم أحلّ الله لهم ما غنموا فقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾، كما ورد في حديث عمر عند مسلم. وورد في مسند الإمام أحمد أن من لم يجد الفداء من الأسرى كان فداؤه أن يعلّم عشرة من غلمان المدينة الكتابة، وفي إسناده كلام فلا يُجزم به.

وسُمّي هذا اليوم في القرآن يوم الفرقان، ﴿يوم التقى الجمعان﴾. وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين»، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.

العبرة

النصر لا يكون بالعدد ولا بالعدة، وإنما بصدق التوكل على الله والأخذ بالأسباب والاستعانة بالدعاء. وأهل بدر قدّموا طاعة الله ورسوله على كل شيء، فكانوا من خيرة هذه الأمة.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الأنفال (الآيات 5-19 و 41-44 و 67-69)؛ سورة آل عمران (123-127)؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، وحديث ابن مسعود في مشورة المقداد، وحديث البراء في عدد أهل بدر وأسراهم وقتلاهم، وحديث ابن عباس في جبريل، وحديث رفاعة بن رافع؛ صحيح مسلم: حديث عمر في دعاء النبي ﷺ يوم بدر وفي عدد الصحابة، وحديث أنس في مصارع أهل بدر؛ مسند أحمد: حديث علي في المقداد وفي ليلة بدر؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق) في الأخبار التفصيلية.

الدرجة: الأصل ثابت من القرآن الكريم + صحيحي البخاري ومسلم؛ والتفاصيل التي نُسبت لابن إسحاق وابن هشام (كمشورة الحباب بن المنذر وأعداد الشهداء ومسير القوم) هي من أخبار السيرة وليست في درجة الصحيحين.