سورة سُمّيت بغزوة
سورة الأنفال هي السورة التي تحدثت عن غزوة بدر حديثًا مفصلًا، فهي تروي المعركة من زاوية القرآن: ما كان في قلوب المؤمنين، وما فعله الله بهم، وما أنزل عليهم من أسباب النصر، ثم ما شرع لهم بعدها من أحكام الغنائم والأسرى. ويحسن أن تُقرأ قصة بدر مع هذه الآيات، لأن القرآن يكشف جانبًا لا تجده في كتب المغازي.
الاختلاف على الغنائم
افتتحت السورة بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾. وروى الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت فيما اختلف فيه أهل بدر في الغنائم، فنُزعت من أيديهم وجُعلت إلى رسول الله ﷺ فقسمها بينهم على السواء. وذكر ابن كثير هذا المعنى عن غير واحد من السلف. وفي ذلك درس تربوي عجيب، فالله لم يترك الجيش المنتصر لخلاف الدنيا، وإنما جعل أول أمرٍ بعد النصر التقوى وإصلاح ذات البين.
كراهة الخروج
ثم قال تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾. وفسرها المفسرون، كالطبري وابن كثير، بأن بعض المؤمنين كرهوا الخروج للقاء قريش بعد أن تبين أن القافلة نجت وأن الجيش قادم. وهذه الآية فيها صدق نادر، فهي لا تُخفي أن بعض أهل بدر كرهوا اللقاء أول الأمر، ومع ذلك صاروا أعظم الناس منزلة عند الله. وقال تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾.
الاستغاثة والإمداد
وذكر الله الدعاء الذي دعا به النبي ﷺ وأصحابه فقال: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ بالغ في الدعاء حتى سقط رداؤه، وأن أبا بكر قال له: كفاك مناشدتك ربك. ثم بيّن الله حكمة الإمداد: ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾. فالملائكة بشارة وسكينة، والنصر في الحقيقة من الله وحده.
النعاس والمطر
ومن أعجب ما ذكر الله في تلك الليلة قوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾. ذكر المفسرون أن النعاس قبل القتال أمنة وسكينة تذهب الخوف من القلوب، فيبيت الجيش القليل نومًا هادئًا قبل لقاء عدو يفوقه ثلاث مرات. أما المطر فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه جعل الأرض تحت أقدام المسلمين متماسكة وجعل أرض المشركين وحلًا، وقال المفسرون إن في الآية أيضًا معنى الطهارة، فقد تطهروا به واغتسلوا وتوضؤوا.
تثبيت من الله
ثم جاءت الآية التي تكشف ما أوحاه الله إلى الملائكة: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾. وقد روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن عمر، أنه بينما كان رجل من المسلمين يومئذ يجري في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت فارس يقول: أقدمْ حيزوم، فنظر إلى المشرك فإذا هو قد خرّ مستلقيًا، فإذا هو قد خُطم أنفه وشُقّ وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة». ويفيد هذا الحديث أن الملائكة قاتلت يوم بدر فعلًا.
الرمية
ومن الآيات التي نزلت في الحدث قوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا﴾. وفسّر ابن كثير الآية بأن الله هو الذي أعطاهم النصر، فما قتلوهم بحولهم وقوتهم، وأن الرمية المذكورة هي ما أخذه النبي ﷺ من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين فأصاب الله بها كل واحد منهم. وتبقى في الآية قاعدة إيمانية مهمة هي أن الأسباب لا تعمل بنفسها، وأن الله هو الفاعل المتصرف.
الله قلّل الأعداد
وأشار القرآن إلى حكمة عجيبة في ترتيب اللقاء: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلًا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا﴾. قال المفسرون: قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين ليتجرأوا على اللقاء، وقلّل المؤمنين في أعين المشركين ليتقدموا ولا يرجعوا. وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه ما معناه أنه كان يرى المشركين قليلين حتى قال لرجل بجانبه: تراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة. وهذا من الروايات المنقولة في التفسير.
عاقبة المستفتحين
وقال تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾. وروى الإمام أحمد وغيره أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنْه الغداة، فكان هو المستفتح، فنزلت الآية. وأسند ذلك ابن كثير في تفسيره.
أحكام ما بعد المعركة
ختمت السورة بأحكام الغنائم والأسرى والفرقة بين المؤمنين والكافرين. ففي قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ بيّن الله قسمة الغنائم وجعل لها خمسًا خاصًّا. ثم جاء العتاب في الأسرى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أن عمر دخل من الغد فوجد رسول الله ﷺ وأبا بكر قاعدين يبكيان، فسأل عن سبب بكائهما، فقال النبي ﷺ: «أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة». ثم لما أحلّ الله الغنيمة قال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾.
وقال تعالى مخاطبًا الأسرى: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم﴾. وقد ذكر ابن كثير في تفسيرها روايات عن السلف أنها نزلت في العباس رضي الله عنه وفيمن افتدى من الأسرى.
وهكذا تبدو بدر في القرآن غزوة أنزل الله فيها آيات لا تُحصى، تذكّر المسلمين أن الله هو صاحب الفضل في كل ما جرى، وأن عليهم أن يشكروه ويتقوه.
