لماذا سميت ذات الرقاع؟
غزوة ذات الرقاع من الغزوات التي جاءت فيها صلاة الخوف، وجاء فيها حديث عن حفظ الله لنبيه ﷺ. وقد اختلف العلماء في سبب تسميتها، والرواية الأصح هي ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسُميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: وحدّث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه. وفي ذلك درس عظيم في إخلاص الصحابة وحرصهم على ستر أعمالهم.
وهناك أقوال أخرى في تسميتها، فقيل إن أرض الموقع كان فيها ألوان تشبه الرقع، وقيل إن راية الجيش كانت مرقعة، وقيل غير ذلك. والأصح هو ما رواه الصحابي نفسه.
متى كانت؟
اختلف أهل العلم في تاريخ هذه الغزوة. فذكر ابن إسحاق أنها كانت في السنة الرابعة بعد بني النضير، وأن النبي ﷺ سار إلى بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في نجد. بينما ذهب الإمام البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر في السنة السابعة، واستدل بحضور أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فيها، فإنه إنما قدم على النبي ﷺ عند فتح خيبر، فلا يمكن أن يكون شهدها في السنة الرابعة. وقد رجّح ابن حجر في فتح الباري أن الغزوة التي شهدها أبو موسى بعد خيبر، وقال إن من أهل العلم من جمع بين الروايتين بتعدد الغزوات المسماة بهذا الاسم. فهذا من المواضع التي يُذكر فيها الخلاف بأمانة، ولا يُجزم بتاريخ واحد.
صلاة الخوف
أشهر ما اقترن بذات الرقاع صلاة الخوف. والأصل فيها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾. وقد صلّى النبي ﷺ صلاة الخوف في مواضع عدة، لكن البخاري ومسلم رويا عن سهل بن أبي حثمة، وعن صالح بن خوّات، صفة هذه الصلاة في ذات الرقاع: أن طائفة صفّت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلّم بهم.
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما صفة أخرى: أنه صلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان. ولهذا قال أهل العلم إن صلاة الخوف وردت على صفات متعددة كلها صحيحة بحسب الحال، وقد نقل ابن حجر وغيره عن الإمام أحمد أنه عدّ ستة أو سبعة أوجه جاءت بها السنة. وهذا يدل على سعة الشريعة ومراعاتها للأحوال.
أحكام من الآية
وقد وقف المفسرون وأهل الفقه عند قوله تعالى في أول الآية: ﴿وإذا كنت فيهم﴾، فتساءلوا: هل صلاة الخوف خاصة بوجود النبي ﷺ؟ وذكر ابن كثير وغيره أن جمهور العلماء على أن الحكم باقٍ بعده، لأن الصحابة رضي الله عنهم صلّوها بعد وفاته، وأن بعض أهل العلم ذهب إلى اختصاصها بحياته ﷺ، والصحيح الأول. ويستفاد من الآية أن الجماعة مطلوبة حتى في أشد الظروف، وأن المسلم مأمور بأخذ السلاح والحذر مع العبادة، فلا ينفصل الأمر الديني عن الاحتياط الدنيوي، وأن الله تعالى بيّن حرص الأعداء على استغلال لحظة الغفلة: ﴿ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾. وبعدها خفف الله عن المريض ومن أصابه أذى المطر: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾.
غورث بن الحارث
وفي هذه الغزوة وقعت حادثة عجيبة. روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. قال جابر: فقال رسول الله ﷺ: «إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتًا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثًا. قال: فشام السيف، فها هو ذا جالس». ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ.
وقد ذكر ابن حجر أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأن بعض الروايات تذكر أن السيف سقط من يده وأن النبي ﷺ أخذه وقال له: «من يمنعك مني؟» فقال: كن خير آخذ، فعفا عنه، فعاد إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. وهذه الزيادة وردت في بعض الروايات عند أحمد وابن حبان وغيرهما وفي أسانيدها مقال، فنذكرها على أنها مروية.
الحارس ذو السهام
وجاء في سنن أبي داود، من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ لما انصرف من تلك الغزوة نزل شعبًا فقال: «من يحرسنا الليلة؟» فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فوقفا على فم الشعب، فقام المهاجري يصلي، وكان الأنصاري يتحرس، فرُمي الأنصاري بسهم، فنزعه ولم يقطع صلاته، ثم رُمي بالثاني والثالث، ثم ركع وسجد، وأيقظ صاحبه، فلما رأى المهاجري الدماء قال: سبحان الله، هلا أنبهتني أول ما رمى؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. والحديث حسّنه جمع من العلماء، وفي بعض أسانيده كلام.
دروس من الغزوة
أولًا: أن حفظ الله لنبيه ﷺ لا يتعطل بسبب الظروف، فالنبي ﷺ نام وحده والسيف معلق، ومع ذلك كفاه الله.
ثانيًا: أن الدين يسر ولا تسقط الصلاة في الخوف، بل تُؤدّى على صفة تحفظ الجماعة وتحفظ الأمن.
ثالثًا: أن الصحابة كانوا يجتمعون على قلة الزاد والمركب، ثم يخفون جهادهم، كما فعل أبو موسى رضي الله عنه.
