Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

غزوة بني قينقاع: أول من نقض العهد من يهود المدينة

النبي ﷺ وبنو قينقاع وعبد الله بن أبي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الجوار في المدينة

عندما قدم النبي ﷺ المدينة كان فيها قبائل يهودية كبيرة، أشهرها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وذكرت كتب السيرة أن النبي ﷺ وادعهم وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، فكان بين الطرفين عهد يقضي بالتعايش وعدم الاعتداء. وكان بنو قينقاع أول من نقض هذا العهد، وذكر أهل السير أنهم كانوا من أشد يهود المدينة بأسًا، ومنازلهم داخل المدينة، وكانوا يعملون في الصياغة والذهب وصناعة السلاح. ويدل على اشتغالهم بالصياغة ما رواه البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يريد أن يرتحل مع صائغ من بني قينقاع ليأتي بإذخر يبيعه من الصواغين.

تحذير النبي ﷺ بعد بدر

لما انتصر المسلمون في بدر ورجع النبي ﷺ إلى المدينة جمع يهود بني قينقاع في سوقهم، وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لهم: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم». فقالوا: يا محمد، إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. فأنزل الله: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾. وهذا الحديث رواه أبو داود وحسّنه بعض أهل العلم.

الحادثة التي أشعلت الأزمة

ذكر ابن إسحاق، وتابعه ابن هشام، أن امرأة من العرب قدمت بجَلَب لها فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبَت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وهذه الرواية في السيرة بإسناد منقطع، فهي من أخبار السيرة المشهورة وليست من الأحاديث الصحيحة، والعلماء يذكرونها في سبب الحرب، مع التنبيه على ضعف إسنادها.

والذي لا خلاف فيه أن بني قينقاع قد نقضوا العهد وحاربوا، وأن النبي ﷺ سار إليهم بنفسه.

الحصار

حاصرهم النبي ﷺ في حصنهم خمس عشرة ليلة كما ذكر ابن إسحاق، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ. وكان حلفاؤهم من الخزرج، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين.

موقف ابن أبي

قام عبد الله بن أبي حين أمكن الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. وكانوا حلفاء الخزرج. فأبطأ عليه النبي ﷺ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أرسلني»، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللًا، ثم قال: «ويحك أرسلني». قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ﷺ: «هم لك». هذه الرواية من سيرة ابن إسحاق. وهي تكشف لك صورة ابن أبي، ذلك الرجل الذي كان يخاف على نفسه أكثر مما يخاف على دينه، ويحرص على مصلحة حلفائه ولو على حساب الإسلام.

موقف عبادة بن الصامت

وكان لعبادة بن الصامت رضي الله عنه حلف مع بني قينقاع، مثل حلف ابن أبي. ولكنه تبرأ منهم وأعلن ولاءه لله ورسوله. وروى ابن إسحاق أنه قال: يا رسول الله، أتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. فأنزل الله في الموقفين قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾، ثم قال: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾. وقد ذكر الطبري وابن كثير نزول هذه الآيات في هذا الحدث نقلًا عن أهل السير، وهو قول معروف في التفسير. وفيه أن قولة ابن أبي: إني أخشى الدوائر، هي بعينها التي حكاها القرآن عن المنافقين: ﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾.

الحكم

عفا النبي ﷺ عن دمائهم بعد نزولهم على حكمه، وأمر بإجلائهم من المدينة. وقد ذكر ابن إسحاق أن عبادة بن الصامت كان هو الذي تولّى إجلاءهم، وأنهم خرجوا إلى أذرعات في الشام، وأنهم تركوا أموالهم، وأخذ النبي ﷺ ما كان لهم من السلاح وآلة الصياغة، وأخذ الخمس. فالعقوبة هنا كانت دون ما استحقوه لأنهم حاربوا ونقضوا العهد، فنزل النبي ﷺ على شفاعة ابن أبي في دمائهم، لا في إبقائهم.

دلالات في القصة

أولًا: أن الدولة الإسلامية في المدينة بدأت بالعهد والمعاهدة، وأن المبادرة بنقض العهد جاءت من بني قينقاع بعد أن أقام النبي ﷺ عليهم الحجة وحذّرهم.

ثانيًا: أن الإسلام يفرّق بين من يعاهد ومن ينقض، فلم يقاتل النبي ﷺ يهود المدينة لأنهم يهود، وإنما قاتل من نقض العهد وحارب.

ثالثًا: أن الولاء في القرآن لله ورسوله والمؤمنين، وأن من يوالي الأعداء خشية الدوائر فقد ظهر نفاقه. وقد جعل الله موقف عبادة بن الصامت ميزانًا في ذلك.

رابعًا: أن النبي ﷺ لم يجعل العقوبة أقصى ما يمكن، فاكتفى بالإجلاء عن القتل، وفي الحكم رحمة وسياسة حكيمة.

العبرة

من نقض العهد فقد جنى على نفسه، والولاء لله ورسوله والمؤمنين لا لمصلحة دنيوية أو خشية دوائر الزمان. وفي موقف عبادة وابن أبي ميزان يميّز المؤمن من المنافق.

المصدر: سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق): غزوة بني قينقاع؛ سنن أبي داود: باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة (حديث ابن عباس في إنذارهم بعد بدر وفي نزول ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾)؛ صحيح البخاري: حديث علي رضي الله عنه في الصائغ القينقاعي (كتاب البيوع)؛ القرآن الكريم: سورة آل عمران (12-13)، سورة المائدة (51-56)؛ تفسير الطبري وتفسير ابن كثير عند آيات المائدة.

الدرجة: قصة الحصار والإجلاء ثابتة في كتب السيرة (ابن إسحاق وابن هشام)، وحديث إنذار النبي ﷺ لهم في سوقهم رواه أبو داود وحسّنه بعض أهل العلم. أما قصة المرأة وكشف ثوبها فهي بإسناد منقطع فتُذكر بحذر. وقول ابن أبي وموقف عبادة من أخبار ابن إسحاق، ونزول آيات المائدة فيهما مشهور في التفسير.