Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الرجيع وبئر معونة: غدر القبائل وفاجعة القراء

عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وحرام بن ملحان رضي الله عنهم

طلب الدعاة

في صفر من السنة الرابعة للهجرة، بعد أحد، وقع حدثان مؤلمان في أيام متقاربة: أولهما يوم الرجيع، وثانيهما يوم بئر معونة. وكلاهما غدر من القبائل بوفود طلبت من النبي ﷺ دعاة يعلمونهم القرآن والدين. وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحطبون بالنهار ويصلون بالليل. وفي بعض الروايات أن عددهم أربعون، وهي رواية أخرى ذكرها ابن إسحاق.

سرية الرجيع

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة عينًا وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب. فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة، ونزل إليهم ثلاثة رهط على العهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء لأسوة، يريد القتلى، فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه.

حماية جسد عاصم

وأرادت هذيل أن تأخذ رأس عاصم، وفي رواية البخاري أن قريشًا بعثت من يأتيهم بشيء من جسده يُعرف به، لأنه قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر. وذكر ابن إسحاق أن امرأة اسمها سلافة بنت سعد كانت قد نذرت أن تشرب الخمر في قحف رأسه لأنه قتل ابنيها يوم أحد، وهذا من أخبار السيرة. فبعث الله مثل الظلة من الدبر، وهو النحل، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا. فقالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا فذهب به. وذكر أهل السير أن عاصمًا كان قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه خبره قال: يحفظ الله العبد المؤمن كما حفظه في حياته. وأصل قصة حماية جسده بالدبر في صحيح البخاري.

خبيب بن عدي

وأما خبيب وزيد بن الدثنة فانطلقوا بهما حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر. فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر. فلبث عندهم أسيرًا. وروى البخاري عن ابنة الحارث أنها قالت: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر. وكانت تقول إنه رزق رزقه الله خبيبًا. وذكرت أنه استعار منها موسى ليستحد بها لقتله، فدرج بني لها وهي غافلة، فأتاه فوضعه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك.

ولما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين. وقال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لزدت. وكان خبيب هو أول من سنّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صبرًا. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. ثم أنشد: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان لله مصرعي، وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع. فقتله ابن الحارث. هذا في صحيح البخاري.

بئر معونة

وأما بئر معونة فقد روى البخاري ومسلم عن أنس أن النبي ﷺ بعث أقوامًا من بني سليم، سبعين رجلًا، إلى بني عامر، فقال لهم خالي حرام: أتقدّمكم، فإن أمّنوني حتى أبلغكم عن رسول الله ﷺ وإلا كنتم مني قريبًا. فتقدّم فأمّنوه. فبينما يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة. ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلًا أعرج صعد الجبل. قال أنس: فأنزل الله علينا ثم كان من المنسوخ: أن بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ثم نُسخت تلاوتها.

وكان زعيم الغدر عامر بن الطفيل، وقد قدم عامر بن مالك ملاعب الأسنة على النبي ﷺ وأهدى له فلم يقبل منه لأنه مشرك، وطلب منه رجالًا يعلمون قومه، فقال النبي ﷺ: «إني أخاف عليهم أهل نجد»، فقال: أنا جار لهم. فأرسلهم. فأخلف عامر بن الطفيل جوار أبي براء.

عمرو بن أمية الضمري

وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار كانا يرعيان الإبل خارج المعسكر، فرأيا الطير تحوم على المكان، فعلما بما جرى. فقاتل الأنصاري حتى قُتل، وأُسر عمرو بن أمية، فلما أخبرهم أنه من مضر جزّ عامر بن الطفيل ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه. وقد قتل عمرو في طريق عودته رجلين من بني عامر، ولم يكن يعلم أن لهما عهدًا من رسول الله ﷺ، فكان ذلك سببًا في ما ذكره ابن إسحاق من ديتهما التي طلب النبي ﷺ إعانة بني النضير فيها.

حزن النبي ﷺ

وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة. وفي رواية قال أنس: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو في الصبح على رعل وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله. وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: «عصية عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله».

دروس

كانت الحادثتان ابتلاء عظيمًا أصاب المسلمين بعد أحد بأسابيع، ولكن الله جعل في دم القراء مدحًا خالدًا، وقد أُنزل فيهم قرآن ثم نُسخت تلاوته مع بقاء معناه. وفي قول حرام بن ملحان: فزتُ ورب الكعبة، كشف عن نظرة المؤمن إلى الموت في سبيل الله على أنه فوز.

العبرة

الغدر قد يصيب أهل الحق، ولكن الله لا يضيع دم الشهداء، ويحفظ أجسادهم وذكرهم. والفوز الحقيقي هو الشهادة في سبيل الله ولو بدت في ظاهرها خسارة.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة (حديث أبي هريرة في سرية عاصم بن ثابت وخبيب، وحديث أنس في القراء السبعين، وحديث ابنة الحارث في خبيب)؛ صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، وحديث أنس في قنوت النبي ﷺ؛ سيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق) في تفصيل عمرو بن أمية الضمري وجوار أبي براء.

الدرجة: ثابت في صحيحي البخاري ومسلم. وبعض تفاصيل عمرو بن أمية وجوار أبي براء من رواية ابن إسحاق وابن هشام وليست في الصحيحين.