تحالف الأعداء
بعد أن أجلى النبي ﷺ بني النضير ذهب بعض زعمائهم إلى مكة وحرّضوا قريشًا على غزو المدينة، وذكر ابن إسحاق من هؤلاء حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع. ثم ذهبوا إلى غطفان فحرّضوهم. فتجمعت قريش وكنانة وأهل تهامة وغطفان ومن تبعهم من القبائل. وذكر ابن إسحاق أن عددهم نحو عشرة آلاف مقاتل، وأن المسلمين كانوا نحو ثلاثة آلاف. وهذا كان في شوال من السنة الخامسة على المشهور، وقيل في السنة الرابعة وهو قول موسى بن عقبة، وقد ذكر البخاري هذا الخلاف في كتاب المغازي.
فكرة الخندق
وذكر ابن إسحاق، وغيره من أهل السير، أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أشار على النبي ﷺ بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأعجب النبي ﷺ ذلك. وهذا الخبر من أخبار السيرة وليس في الصحيحين، لكنه مشهور. وكان الخندق من الجهة المكشوفة من المدينة، لأن الجهات الأخرى كانت محاطة بالبيوت والنخيل والجبال.
وقسّم النبي ﷺ العمل بين الصحابة. وروى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا. يرفع بها صوته: أبينا أبينا.
وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن الأنصار كانوا يقولون يوم الخندق: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا. فيجيبهم النبي ﷺ: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة». وفي الحديث نفسه أنهم كانوا يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن.
الجوع والصخرة
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل»، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل. ورأى جابر ما بالنبي ﷺ من الخمص، فذهب إلى امرأته وذبح عناقًا صغيرة وطحنت صاعًا من الشعير، ثم جاء فسارّ النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سورًا، فحيّهلا بكم». فأكل الجميع، وبقي طعام كثير. هذه معجزة ثابتة في الصحيح.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي من حديث البراء أن الصخرة ضُربت ثلاثًا، فبرق مع كل ضربة برق، فقال النبي ﷺ إنه أُعطي مفاتيح الشام وفارس واليمن. وقد حسّنه بعض أهل العلم، وفي إسناده كلام، فيُذكر على أنه مروي لا في الصحيحين.
الحصار
نزل الأحزاب حول المدينة. وقال تعالى: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾. ولما رأت قريش الخندق قالوا: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها. وبقي الحصار نحو شهر، وكانت المناوشات بالرمي، وحاول بعض فرسان قريش عبور الخندق من مكان ضيق، ومنهم عمرو بن عبد ود، فبارزه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتله، على ما ذكره ابن إسحاق.
شغلونا عن الصلاة
وفي أثناء الحصار فاتت بعض الصلوات. روى البخاري عن جابر أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ: «والله ما صليتها». فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس».
ليلة الريح
وفي الأيام الأخيرة، اشتد الخوف والبرد. وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه أرسله النبي ﷺ ليأتيه بخبر القوم، وقال له: «لا تحدثن شيئًا حتى تأتينا». فرأى أبا سفيان يقول لقومه: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه. فأخذ حذيفة بيد جليسه وسأله. وذكر ابن إسحاق أن الريح في تلك الليلة كانت لا تترك لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً، وأن أبا سفيان قال لقومه: إنكم والله لستم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، فارتحلوا. وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا﴾. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».
وكان النبي ﷺ يدعو: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم»، كما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى. وكان يقول في هذا المعنى: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».
عاقبة الأحزاب
لما انصرفت الأحزاب خائبة قال النبي ﷺ كما روى البخاري عن سليمان بن صرد: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم». فقد صارت الدائرة على المشركين، وبعدها لم تتمكن قريش من غزو المدينة. وقد قال تعالى: ﴿وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًّا عزيزًا﴾.
