من هوازن إلى ثقيف
لما انتهت معركة حنين وهزم الله هوازن، فرّ بعض المنهزمين إلى أوطاس وبعضهم إلى نخلة، وسار فريق منهم مع قائدهم مالك بن عوف النصري إلى الطائف فتحصّن في حصنها مع ثقيف. فسار النبي ﷺ بعد أن فرغ من أوطاس إلى الطائف. وذكر ابن إسحاق أنه سلك طريقًا يمرّ بحصن مالك بن عوف فهدمه. والطائف بلدة محصنة بسور وحصون، وكانت ثقيف قد أعدّت فيها مؤونة سنة، ولم يكن النبي ﷺ يريد إلا أن يرد كيد من تحصن للقتال.
وفي الطائف ذاتها كان النبي ﷺ قد لقي قبل الهجرة من أهلها أذى شديدًا، يوم ذهب يدعوهم وهم كارهون، فردّوا عليه وأغروا به السفهاء، فدعا الله دعاءه المعروف. فلما جاء الآن فاتحًا أراد الله أن يظهر رحمته على ذلك الموضع بطريقة لم يتوقعها الناس.
الحصار
نزل النبي ﷺ قريبًا من حصن الطائف، فرمتهم ثقيف بالنبل رميًا شديدًا حتى أصيب بعض المسلمين، فارتفع النبي ﷺ بمعسكره عن مرمى السهام. وذكر ابن إسحاق أن المسلمين استعملوا المنجنيق فيها ووُصفت أيضًا آلة تسمى الدبابة. وذكر أهل السير أن الحصار دام أيامًا، وتختلف الروايات في مدته بين بضع عشرة ليلة وعشرين ليلة وأربعين ليلة، فلا يجزم بعدد معين.
وقد قطع المسلمون بعض كروم ثقيف ليضغطوا عليهم، فسألوه ثقيف أن يتركها لله وللرحم، فتركها، كما في ذكر أهل السير. ونادى منادي النبي ﷺ أن أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج بضعة عشر رجلًا من العبيد فأعتقهم النبي ﷺ. وذكر ابن حجر في الإصابة أن أبا بكرة رضي الله عنه تدلى من حصن الطائف ببكرة فكني بأبي بكرة، وأنه كان من هؤلاء العبيد، وأن النبي ﷺ أعتقه. وقد رواه أهل الحديث بأسانيد فيها مقال، فيُذكر على أنه مروي.
أم سلمة والمخنث
وكانت مع النبي ﷺ في هذه الغزوة أم سلمة رضي الله عنها. وروى البخاري عن أم سلمة قالت: دخل علي النبي ﷺ وعندي مخنث، فسمعته يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي ﷺ: «لا يدخلن هذا عليكم». رواه البخاري في باب غزوة الطائف. ففيه أن النبي ﷺ منع من يصف النساء ويتتبع محاسنهن من الدخول على النساء.
إنا قافلون
ولما تعذر فتح الطائف وطال الأمر، عزم النبي ﷺ على الرجوع. روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ لما حاصر الطائف فلم ينل منهم شيئًا قال: «إنا قافلون إن شاء الله». فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ وقال مرة: نقفل؟ فقال: «اغدوا على القتال». فغدوا فأصابهم جراح. فقال: «إنا قافلون غدًا إن شاء الله». فأعجبهم ذلك، فضحك النبي ﷺ. وفي هذا الحديث من الفقه أن القائد قد يأخذ بما رآه من المصلحة ولو خالف رغبة الجند، ثم يبيّن لهم بالتجربة وجه الصواب، وأنه تربّى على اللين.
الدعاء لثقيف
وفي سنن الترمذي بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم. فقال: «اللهم اهد ثقيفًا». وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. فكانت هذه الدعوة من النبي ﷺ على أهل الطائف تحمل أمله فيهم بعد أن آذوه قبل الهجرة وأثناء الحصار.
رجاؤه القديم يتحقق
وفي الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله عنها، أنها سألت النبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردتُ». وذكر في الحديث أن ملك الجبال سلّم عليه وعرض أن يُطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة، فقال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». ولا يخفى أن موضع هذه الحادثة هو ما حول الطائف. فجاء الحصار وفي قلبه ذلك الرجاء القديم نفسه، وقد رأى بعد الحصار بأشهر أن ثقيفًا وفدت عليه مسلمة. وبعد رجوعه من الطائف مضى إلى الجعرانة حيث قسّم غنائم حنين، كما سبق في قصة القسمة.
عاقبة الدعاء
وقد استجاب الله تلك الدعوة. فذكر ابن إسحاق أن عروة بن مسعود الثقفي أدرك النبي ﷺ قبل أن يصل المدينة فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه يدعوهم، فقال له: «إنهم قاتلوك»، فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم. ثم دعاهم إلى الإسلام فرموه بالسهام فقتلوه، وقال قبل موته: هذه كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي. وهذا من خبر ابن إسحاق وفي إسناده إرسال.
ثم في رمضان من السنة التاسعة، بعد عودة النبي ﷺ من تبوك، جاء وفد ثقيف إلى المدينة وأسلموا، وكان من سادة الوفد عثمان بن أبي العاص، فأمّره النبي ﷺ عليهم لأنه كان أحرصهم على تعلّم القرآن. وطلبوا في أول الأمر أن يترك لهم اللات ثلاث سنين، فأبى ﷺ، ثم أن يتركها شهرًا، فأبى، فأرسل من هدمها وهو المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب.
كلمة أخيرة
لقد رجع النبي ﷺ من الطائف بلا فتح عسكري، ولكنه رجع وقد زرع بذور الإسلام فيها بدعائه، فأسلمت ثقيف بعد أشهر طائعة. وبهذا يتبين أن النصر لا يكون دائمًا بالسيف، وأن الحلم والدعاء قد يفتحان ما لا تفتحه المنجنيقات.
