Islamic MixIslamic Mix
‹ غزوات النبي ﷺ
غزوات النبي ﷺموثّقمدة القراءة نحو ٧ دقائق

الثلاثة الذين خُلِّفوا: قصة كعب بن مالك الكاملة وخمسون ليلة وتوبة من السماء

كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم

الصدق قبل البلاء

هذه القصة من أعظم ما ورد في السنة عن الصدق والتوبة، رواها البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه بنفسه، وكان قد تخلف عن غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام.

التسويف

قال كعب: وكان من خبري حين تخلفت عن تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. وكانت الغزوة في حر شديد وسفر بعيد. فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك.

وقال: فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء.

في تبوك

ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ.

يوم القدوم

قال كعب: فلما بلغني أنه توجه قافلًا من تبوك حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله.

كعب بين يديه

قال كعب: حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال». فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال: فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك».

فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي.

المقاطعة

ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني.

حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فناشدته فسكت. فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.

رسالة ملك غسان

قال كعب: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها.

وهنا تظهر أعلى درجات الثبات، فقد كان العرض مغريًا لمن فقد سنده، ومع ذلك أحرق كعب الكتاب، فاعتبر ما عرض عليه بلاءً لا فرجًا.

اعتزال الزوجات

حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربنّك». قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب.

الليلة الخمسون

فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج. وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا. وركض إلي رجل فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم قِبلي وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما.

اللقاء

فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله». وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.

فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت.

الآيات

وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾.

وروى كعب في ختام الحديث: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا. وقال: فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا.

وفي الحديث أن أم سلمة رضي الله عنها كانت حاضرة حين نزلت توبتهم، فقال لها النبي ﷺ ما نزل، فقالت: يا رسول الله ألا أرسل إليه فأبشره؟ قال: «إذًا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة». قال كعب: وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معنية في أمري.

العبرة

الصدق ينجّي وإن كان مرًّا، والكذب يهلك وإن ظنّ صاحبه أنه نجا. وفي قصة الثلاثة: أن الذنب إذا اتبعته توبة صادقة وصبر على البلاء ثمرته رضا الله، وأن كعبًا ثبت أمام ملك غسان وأمام جفوة الناس.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك؛ صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه؛ القرآن الكريم: سورة التوبة (117-119) و(95-96)؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي.

الدرجة: ثابت في صحيحي البخاري ومسلم من حديث كعب بن مالك نفسه، والنص أعلاه تلخيص أمين لألفاظ الحديث مع تقديم وتأخير يسير في بعض الجمل لضرورة السياق.