خدم أنس بن مالك رضي الله عنه النبيَّ ﷺ عشر سنين في المدينة، وكان خادمًا يخطئ كما يخطئ الناس وينسى كما ينسون. وبعد سنوات طويلة جلس أنس يحدّث عن تلك الصحبة، فلم يذكر عظائم الأمور أولًا، بل ذكر معاملة النبي ﷺ له في صغائر الأيام. قال رضي الله عنه: خدمتُ النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قطّ، ولا قال لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركتُه: لِمَ تركتَه؟ وقال أيضًا: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا. فكان الخادم الصغير يعيش في بيت النبوة آمنًا من التوبيخ، لا يخشى الصياح ولا العبوس، ويرى من سيد البشر ﷺ لينًا في كل موقف، حتى إنه لم يحفظ عنه كلمة ضجر واحدة في عشر سنين كاملة.
وقال أنس رضي الله عنه في وصف ما رآه من لين النبي ﷺ: ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كفّ رسول الله ﷺ، ولا شممتُ مسكًا ولا عنبرًا أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ. فهذا هو الخادم الذي عاش في بيته سنوات، يذكر لين كفّه وطيب رائحته، ويذكر أنه لم يسمع منه كلمة ضجر.
