قبل أن يكون الإنسان
لم يكن على الأرض قبل آدم عليه السلام هذا الخلق الذي نعرفه، وأول ما يخبرنا به القرآن عن بدايته أن الله تعالى أعلن للملائكة قراره قبل أن يخلق: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وفي هذا الإعلان تكريم سابق للخلق نفسه، فقد أُعلم به الملأ الأعلى قبل وجوده. ومعنى «خليفة» كما ذكر المفسرون، ومنهم ابن كثير والسعدي، أنه يخلف بعضُ هذا الجنس بعضًا، قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، ويقيم الله بهم عمارة الأرض.
فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. وقد نبّه ابن كثير رحمه الله إلى أن هذا السؤال ليس اعتراضًا على أمر الله ولا حسدًا لبني آدم، فالملائكة لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وإنما هو استعلام واستفسار عن الحكمة. فجاءهم الجواب الذي يكفي كل سائل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهذا الجواب يعلّمنا أن علم الله يحيط بما غاب عنا، وأن في الخلق حكمًا لا تبلغها عقولنا.
من طين الأرض
ثم بدأ خلق آدم عليه السلام. والقرآن يذكر أن أصله من طين، وتتعدد عباراته في وصف أطوار هذا الطين، فهو ﴿مِن طِينٍ﴾ في موضع، وهو ﴿مِن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ أي طين متماسك يلتصق بعضه ببعض، وهو ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ في موضع آخر، وفي سورة الرحمن: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. وفهم أهل التفسير من هذه التعبيرات أنها أطوار متعاقبة للمادة الواحدة، من تراب مبلول إلى طين لازب، إلى حمأ متغيّر، إلى صلصال يابس يُسمع له رنين كالفخار. وقد سمّى القرآن هذا الأصل ترابًا أيضًا، فقال في آل عمران: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
وجاء في السنة الصحيحة بيان أن هذا الطين لم يؤخذ من موضع واحد، فقد روى أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحَزْن والخبيث والطيب». وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. فألوان الناس وطباعهم المتباينة أشار الحديث إلى أن لها نظيرًا في اختلاف تربة الأرض التي أُخذ منها أصلُهم. وفي اسم «آدم» نفسه قول لأهل اللغة أنه من «أديم الأرض» أي وجهها، والله أعلم.
وتولّى الله تعالى خلقه بنفسه سبحانه، وهذا من تشريفه، كما في قوله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. ومن غير تكييف ولا تمثيل نُمرّ هذه الصفة كما جاءت، ونؤمن أنها تليق بجلاله. ثم سوّاه وعدّله، ونفخ فيه من روحه، وقد قال تعالى للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لما صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلقٌ لا يتمالك». ومعنى «أجوف» أي له جوف، وفسّر أهل العلم قوله «لا يتمالك» بأنه لا يملك نفسه عن الشهوات ونوازع الهوى. وفي الحديث أن إبليس كان يحوم حوله متأملًا ما هو. ولم يثبت في الصحيح تفصيل لمدة ذلك ولا لكيفيته، فنسكت عمّا سكتت عنه النصوص.
وأما هيئته، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيّونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن». فهذا أول سلام عرفته الأرض والسماء، وهو التحية التي علّمها الله آباءنا، ثم صارت تحية الإسلام إلى يومنا.
ومن الأخبار الصحيحة المتصلة بهذه المرحلة أن يوم خلقه كان الجمعة، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها».
علمٌ يرفع صاحبه
ثم أراد الله أن يُري الملائكة فضل هذا المخلوق الجديد، فجعل الدليل علمًا لا قوة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم أن المراد أسماء الأشياء كلها، صغيرها وكبيرها. فلما عجزت الملائكة قالت: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ثم أمر الله آدم أن يخبرهم بها، فأنبأهم بأسمائهم، فقال لهم ربهم: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال السعدي رحمه الله في هذا الموضع: إن فيه دلالة على شرف العلم وفضله، وأنه سبب استحقاق آدم للخلافة. وهذه الحادثة تذكّر بأن مكانة الإنسان في الكون قامت على تعليم الله له. ولا يصح أن نزيد على النص تفاصيل عن كيفية هذا التعليم أو لغته، فلم يرد فيها خبر صحيح.
ويشهد لهذا المعنى ما جاء في حديث الشفاعة الطويل في الصحيحين، إذ يقول الناس لآدم يوم القيامة: «أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء».
السجود وأول كِبر
ثم جاء الأمر الإلهي للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، فسجدوا كلهم أجمعون، وامتنع إبليس. قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. وسجودهم هنا سجود تحية وتكريم وطاعة لأمر الله، لا عبادة لآدم، فإن العبادة لا تكون إلا لله وحده.
وإبليس لم يكن من الملائكة، فقد قال الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وصحّ في مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم». ونقل ابن كثير عن الحسن البصري قوله: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس. وإنما دخل في الأمر بالسجود لأنه كان مع الملائكة في منزلتهم يتشبّه بأفعالهم، فشمله الخطاب.
فسأله الله عن سبب امتناعه، فكشف جوابه أصل الداء: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. فجعل مادة الخلق سبب التفضيل، وردّ الأمر قياسًا فاسدًا، فلم يعترض على الله في الأمر بسبب جهل بل بسبب الكِبر. وقد عرّف النبي ﷺ الكبر في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه فقال: «الكِبر بطر الحق وغَمْط الناس»، أي ردّ الحق ودفعه، واحتقار الناس. وقال في الحديث نفسه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر».
فجاءه الجزاء: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. ولم يرجع إبليس إلى ربه تائبًا، بل طلب مهلة ينفّذ فيها عداوته: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾. ثم أعلن خطته: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وهذه الآيات تفتح لنا بابًا لفهم ما سيحدث بعد قليل، فإن عداوة إبليس لآدم وذريته ليست ظنًّا، بل هي معلنة بالقول. وفي الآيات استثناء يبشّر المؤمنين: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وقال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
في الجنة
أسكن الله آدم الجنة، وقال: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وزوجه خلقها الله منه، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. ولم يذكر القرآن اسمها، وجاء اسم «حواء» في السنة، كما في الصحيحين في قول النبي ﷺ: «لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها». وذهب ابن كثير وغيره إلى أن المراد بكونها خُلقت منه أنها خُلقت من ضلعه، مستدلين بحديث الصحيحين: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خُلقت من ضلع». والقرآن نفسه لم ينص على الضلع، بل قال: ﴿مِنْهَا﴾ فحسب.
وقال الله لآدم محذّرًا ومبيّنًا نعمته: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾. فكان آدم يعلم أن الشيطان عدو، ويعلم ما في الجنة من الكفاية والراحة، ويعلم أن الخروج منها شقاء. وفي أي جنة كانت؟ ذهب جمهور أهل العلم، ومنهم ابن كثير، إلى أنها جنة المأوى التي في السماء، وقال آخرون إنها جنة في الأرض، والله أعلم. والأمر في ذلك ليس مما يتعلق به عمل.
الشجرة والوسوسة
وأما الشجرة المنهي عنها، فالقرآن لم يعيّنها، بل قال: ﴿هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ولم يبيّن نوعها، وقد تعددت أقوال المفسرين في تعيينها بين حنطة وكرم وغيرهما، ونبّه ابن كثير رحمه الله إلى أن علم ذلك لا طائل تحته ولا فائدة، ولو كان في تعيينه فائدة لذكره القرآن. وبهذا نكتفي بما اكتفى به النص.
أما الشيطان فقد قصد إلى الغاية التي حلف عليها، فوسوس لهما: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وفي سورة طه: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. فأغراهما بأمرين تتوق إليهما النفس: الخلود والملك الذي لا يزول. ثم أقسم لهما: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. ولم يكن آدم ولا زوجه يتصوران أن مخلوقًا يحلف بالله كاذبًا، فاغترّا بيمينه. قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾، أي أنزلهما من منزلتهما بخديعته.
فأكلا منها، ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، أي أخذا يلصقان الورق على أنفسهما ليسترا ما انكشف. فجاءهما النداء الرباني بالعتاب: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
وتقرّر الآيات أن ما وقع من آدم لم يكن عنادًا ولا استكبارًا كحال إبليس، بل نسيانًا وضعف عزم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وروى ابن كثير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما سُمّي الإنسان لأنه عُهد إليه فنسي. وقال الله عن هذه الواقعة: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾، فسمّاها معصية، ولم تكن كبيرة تُخرج من الملّة، وفيها فرق جوهري بينها وبين معصية إبليس: هذا يعترف ويرجع، وذاك يصرّ ويجادل.
كلمات التوبة
لم يطل بآدم وزوجه الحال في الندم، فتلقيا من ربهما كلمات قالاها: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقد ذكر ابن كثير أن عددًا من السلف، منهم ابن عباس ومجاهد، فسّروا الكلمات التي تلقاها آدم من ربه في قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ بهذه الآية في سورة الأعراف. وهذا أقرب ما يُفسَّر به القرآن بالقرآن. فتاب الله عليهما: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقال في سورة طه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾.
ويستفاد من هذا أن الذنب لا يلغي الاصطفاء، وأن الاجتباء جاء بعد الخطأ، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي وابن ماجه وحسّنه أهل العلم: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون». وكان طريق آدم نحو ربه طريق الاعتراف والتوبة، لا طريق الجدل والاعتذار الباطل.
إلى الأرض
ومع قبول التوبة قضى الله أن يكون هذا المخلوق خليفة في الأرض، وهي الحكمة التي أعلنها قبل الخلق، فكان الهبوط تحقيقًا للوعد الأول لا عقوبة تبقى على التائب. قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. وهنا ثلاث حقائق: أن العداوة مع الشيطان قائمة، وأن الأرض دار استقرار مؤقت، وأن الحياة والموت والبعث كلها مرتبطة بها.
ثم بيّن الله لهم طريق النجاة في هذا المقام الجديد: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فلم يهبط آدم إلى الأرض بغير هداية، وإنما هبط ومعه وعد الله بالهدى لمن اتبع. وآدم عليه السلام من الأنبياء الذين اصطفاهم الله، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه «نبي مكلّم» كما في صحيح ابن حبان، لكن في ثبوته كلام بين أهل الحديث، فنكتفي بدلالة القرآن على الهداية التي نزلت معه. وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الشريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين، وقد ذكر ابن كثير أن إسناده صحيح على شرط البخاري. فكان أول ما بدأ به الناس التوحيد، ثم عرض الانحراف بعدُ.
ولا نعلم من الصحيح موضع هبوط آدم من الأرض، ولا مدة بقائه فيها، فكل ما يُذكر في ذلك من تفاصيل لا يعتمد على آية ولا على حديث صحيح، ولذلك لا نذكره.
العهد الأول
ومن الأحداث الكبرى المتصلة بآدم وذريته ذلك العهد الذي أخذه الله على بني آدم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾. وقد أورد ابن كثير في تفسيره ما ورد في ذلك من آثار، وقرّر أن المراد أن الله فطر الخلق على التوحيد، وأن الميثاق مغروس في الفطرة. وهذا يوافق ما في الصحيحين من قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة». وروى الترمذي في حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: حديث حسن صحيح، أن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود».
ثم يذكر الحديث أن آدم سأل عن عمر داود، فقيل له ستون سنة، فقال: رب زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تُعطها ابنك داود؟ قال النبي ﷺ: «فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته». وفي هذا الحديث دلالة على أن آدم لقي الموت كما يلقاه البشر، وأن النسيان والخطأ جزء من طبع الذرية. وهذه هي الرواية الصحيحة عن موته، أما تفاصيل تجهيزه ودفنه ومكانه فلم يثبت فيها شيء في القرآن ولا الصحيح.
حجاج آدم وموسى
وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجّ آدم موسى»، قالها ثلاثًا. وقد شرح العلماء هذا الحديث بأن آدم لم يحتجّ بالقدر على المعصية في حال التكليف، بل احتجّ به على المصيبة وهي الإخراج من الجنة بعد أن تاب من الذنب وتاب الله عليه، فاللوم على ذنب تاب منه صاحبه لا وجه له. وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
ابنا آدم
ومن القصص التي ذكرها القرآن بعد ذلك قصة ابني آدم، وهي أول جريمة قتل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. والجمهور على أنهما ابنا آدم لصلبه، ورجّحه ابن كثير، وروي عن الحسن البصري أنهما رجلان من بني إسرائيل، لكن الظاهر الأول. أما اسماهما المشهوران فلم يرد فيهما حديث صحيح، ولذلك نكتفي بقولنا الأخ المقتول والأخ القاتل. وكذلك تفاصيل سبب الخلاف التي تُذكر في بعض الكتب، لا نذكرها لأنها لا تستند إلى القرآن ولا إلى حديث صحيح. وقد ذكر ابن كثير عن بعض السلف أن علامة القبول أن تنزل نار من السماء فتأكل القربان، وهو من أقوال التفسير لا من الأحاديث المرفوعة.
وجواب الأخ التقي يقف شاهدًا على الخلق الرفيع: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. فلم يتعلل بحق الدفاع، بل أعلن خشيته لله. ثم نصحه بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. لكن الحسد غلب على أخيه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
ثم يعرض القرآن مشهدًا قصيرًا بعد الجريمة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وهذا الندم ندم على فقد الأخ وعلى العجز، وقيل إنه ندم على فقد أخيه وعلى عجزه، وليس بالضرورة ندم توبة.
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أول من سنّ القتل». ومن هنا فصلت الشريعة في حرمة الدم، ونزل في السورة نفسها: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
حين لقيه النبي ﷺ في السماء
وليلة الإسراء والمعراج، كان أول من لقيه النبي ﷺ من الأنبياء في السماء الدنيا أبو البشر. ففي حديث الصحيحين، وفيه رواية أبي ذر ورواية مالك بن صعصعة رضي الله عنهما، قال النبي ﷺ: «فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى». وهكذا بقي آدم بعد ألوف السنين يرى أبناءه، فيفرح بالناجين منهم ويحزن للهالكين.
وفي حديث الشفاعة المتفق عليه أن الناس يأتون آدم يوم القيامة فيطلبون منه أن يشفع لهم عند ربه، فيعتذر ويقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري». فيبقى في ذاكرة أبي البشر، حتى في ذلك اليوم العظيم، الخطأ الذي تاب منه، تواضعًا بين يدي الله.
خاتمة القصة
ونخلص من ذلك إلى أن ما صحّ من قصة آدم عليه السلام واسع غني بالمعاني: ملائكة تُعلَن لهم الخلافة، وطين يُسوّى ويُنفخ فيه، وعلم يرفع صاحبه، وسجود يمتنع عنه إبليس بالكبر، وجنة فيها نهي واحد، وعدو يوسوس، ونسيان، وتوبة، وهبوط إلى دار الاختبار ومعه هدى، وميثاق على التوحيد، وأول دم يُسفك على الأرض، ثم موت ينتظر كل حي. وكل ما عدا ذلك من الأخبار التي تُذكر في بعض الكتب عن أسماء وأماكن وأعداد ومدد، فمصدره الإسرائيليات أو الروايات الضعيفة، وقد تركناه حرصًا على أمانة النقل، فما سكت عنه القرآن والسنة الصحيحة فلا حاجة بنا إلى الخوض فيه.
