Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ١٣ دقيقة

نوح عليه السلام: ألف سنة إلا خمسين عامًا في الدعوة

نوح عليه السلام

أول رسول إلى أهل الأرض

بعد آدم عليه السلام مضت أجيال على التوحيد، ثم دخل الانحراف على الناس، فأرسل الله نوحًا عليه السلام. وقد جاء في الصحيحين، في حديث الشفاعة الطويل، أن الناس يأتون نوحًا يوم القيامة فيقولون: «يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسمّاك الله عبدًا شكورًا». وقد أثنى القرآن عليه بهذا الوصف في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وفي سورة الصافات: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ولنوح عليه السلام في القرآن سورة تحمل اسمه، وهو من أولي العزم من الرسل.

ولا يثبت في القرآن ولا في الصحيح نسب نوح عليه السلام التفصيلي، ولا اسم بلده، ولا اسم زوجه المؤمنة، فلا نذكر شيئًا من ذلك، وإنما يعنينا ما قصّه الله علينا.

كيف دخل الشرك

قبل أن نقف مع دعوته، لا بد أن نسأل: كيف ضلّ قومه؟ أخبرنا القرآن أنهم كانوا يعبدون أصنامًا سمّاها: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.

وهذه من أخطر العبر التي يرويها هذا الأثر: أن الشرك قد يبدأ بتعظيم الصالحين ثم يتدرج، فلا يقع دفعة واحدة. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الطريق في الصحيحين، إذ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

دعوة تمتد قرونًا

أرسل الله نوحًا إلى قومه، وهو منهم، فبدأ بالأساس الذي تقوم عليه الرسالات كلها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وقال: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.

وأخبر القرآن بمدة دعوته: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ونقل ابن كثير في تفسيره أن المراد مدة مكثه يدعوهم، أي تسعمائة وخمسين سنة، وفي ذلك دلالة على صبر عظيم لا يقدّر قدره إلا من تأمل. ولا يصح لنا أن نقول كم عاش قبل الدعوة وبعد الطوفان، فقد سكت القرآن والصحيح عن ذلك.

نداء الليل والنهار

وفي سورة نوح عرض الله علينا كيف دعا قومه، وهي من أبلغ ما نزل في وصف أساليب الدعوة. قال نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. فلم يتركهم ليلًا ولا نهارًا، وهم يغطّون وجوههم ويسدّون آذانهم كراهة أن يسمعوا.

ثم نوّع أساليبه: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾، فدعاهم جهرًا، ثم جمع بين الإعلان والإسرار. وفي دعوته ترغيب بما يحبون في الدنيا بعد الآخرة: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾. وتأمل كيف ربط الاستغفار بتوسعة الرزق، وهو معنى قرره المفسرون في هذه الآيات، منهم ابن كثير والسعدي.

وذكّرهم بآيات الله في خلقهم وفي الكون: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وهكذا جمع بين الترغيب والترهيب والبرهان العقلي.

اعتراضات الملأ

ولم يكن موقف الكبراء من قومه استعصاءً صامتًا، بل كانوا يعترضون بحجج، وقد سجّل القرآن بعضها. فمنها استنكارهم أن يكون الرسول بشرًا: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾. فكان اعتراضهم الأول على بشريته، والثاني على أتباعه الذين رأوهم دونهم قدرًا ومكانة.

وفي سورة الشعراء قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، فأجابهم: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. وقال لهم في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. ثم زاد: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

وقال لهم أيضًا ما يرد على من ظنوا أن النبي يجب أن يملك خزائن أو علم الغيب: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

ولما ضاقوا بالحجة لجأوا إلى التحدي: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وبلغت بهم الحال أن هددوه: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي المقتولين رجمًا. وقالوا فيه كذلك: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾.

عنادٌ حتى النهاية

وتتابعت القرون وهم على عنادهم، حتى جاء الإعلام الإلهي، وقال نوح في دعائه المذكور في سورة نوح: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. وقد عُلّل هذا الدعاء في القرآن بالوحي: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فلم يدعُ نوح عليهم إلا بعد أن أخبره الله أن لا مزيد في الإيمان، فدعاؤه ليس انفعالًا عابرًا، بل جاء بعد قرون ومعرفة بالحال.

وقد أشار القرآن إلى دعائه بعبارة موجزة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾. ويقول سبحانه في موضع: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

اصنع الفلك

ثم جاء الأمر الإلهي بما سيكون سبب النجاة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾. وقوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظنا ورعايتنا، وهو ما فسره ابن كثير. فصنع نوح السفينة في مكان لا نعلم موضعه، فلم يذكر القرآن مكان الصنع. وكان قومه يمرّون به: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.

ووصف القرآن السفينة في موضع آخر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، أي ألواح خشب ومسامير أو حبال تشدّها، على اختلاف بين أهل التفسير في معنى «الدُّسُر». ولا نعرف أبعاد السفينة ولا أبواب طوابقها ولا كم سنة صُنعت، فما يُذكر من أرقام في كتب القصص أصلها الإسرائيليات، ولا يصحّ شيء منها في كتاب ولا سنة.

بدء الطوفان

وحُدّدت للطوفان علامة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وفي معنى «فار التنور» أقوال، ذكرها ابن كثير، فقيل: هو التنور الذي يخبز فيه، وقيل: وجه الأرض، وقيل: طلوع الفجر، وكلها من أقوال السلف، ولا يوجد حديث مرفوع صحيح يحسم المراد. وقد جاء في الآية حمل الأزواج من كل نوع، ولا نزيد على النص أي تفصيل في أصنافها وأعدادها.

وأعظم من ذلك وصف الطوفان نفسه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾. فالماء نزل من السماء بغزارة، وانفجرت الأرض عيونًا، والتقى الماءان على قدر مقدّر. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.

السفينة تجري

وركب نوح ومن معه وقال لهم: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فكان أول ما نطقوا به وهم يخطون إلى النجاة ذكر اسم الله. ثم ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾.

وفي هذا المشهد المهيب يقع الامتحان الأصعب لنوح عليه السلام: ابنه الذي لم يؤمن. ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. فهنا لحظة أبوة صادقة: نداء يحمل الشفقة، وحوار قصير، ثم فصل الموج بين الأب وابنه. ولم يُذكر اسم هذا الابن في القرآن، ولا يثبت اسمه في السنة الصحيحة.

دعاء الأب

ثم نادى نوح ربه: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾. فجاءه الجواب: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال ابن كثير رحمه الله: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم، لأنه كافر، فالأهل هنا أهل الدين لا أهل النسب فحسب. وهذا أصل في ميزان الإيمان: النسب لا ينفع بغير إيمان.

فبادر نوح إلى الرجوع: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فكان جوابه خضوعًا وتسليمًا، لا مجادلة ولا غضبًا. والآية الأخيرة تعلّمنا ألا نسأل الله ما لا نعلم عاقبته، وأن نعود إلى الله إذا غلبتنا العاطفة.

وفي سورة التحريم أنّ في أهل بيت نوح من لم يؤمن، وهي امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالخيانة هنا خيانة في الدين، لا في الفراش، وأنها كانت تقول لقومها إنه مجنون، وأن الله ما بغت امرأة نبي قط. فمعنى الآية أن قرابة النبي لا تنجّي صاحبها من غير إيمان.

نهاية الطوفان

ثم جاء الأمر بانحسار الماء: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فالقرآن يذكر أن الأمر صدر من الله للأرض والسماء، فاستجابا. وهذه الآية من أبلغ ما نزل في وصف أمر الله وإحاطته: كل شيء طوع إرادته. و«الجودي» جبل، قال ابن كثير: إنه جبل بأرض الجزيرة، نقله عن مجاهد وغيره، ولا نعدّه من الثابت المرفوع، فاسم الجبل مذكور في القرآن، أما تحديد مكانه فمن أقوال المفسرين.

ثم نودي: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ففي هذه الآية بشارة بالسلام والبركات، وإنذار بأن من ذرية من نجا من سيمتَّع قليلًا ثم يعذَّب لكفره. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وفسّر قتادة وغيره، كما نقل ابن كثير، أن الناس كلهم بعد الطوفان من نسل نوح.

وجعل الله هذه القصة آية: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، وقال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

الدروس التي تركها نوح

وفي السنة الصحيحة أخبار مرتبطة بنوح عليه السلام، منها أنه من أنذر أمته بأعظم فتنة. فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه». وهذا يبيّن أن التحذير من الفتن الكبرى متواصل عبر الأنبياء.

ومنها ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يُدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيُسأل قومه: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾». فتشهد هذه الأمة لنوح عليه السلام، لأنها آمنت بما أخبر به القرآن عنه.

ومنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في وصية نوح لابنه عند موته، وقد صححه الألباني: أنه أوصاه بـ«لا إله إلا الله» وبـ«سبحان الله وبحمده»، ونهاه عن الشرك والكِبر. وفي الحديث أن السماوات السبع والأرضين السبع لو وُضعن في كفة ووُضعت «لا إله إلا الله» في كفة لرجحت بهن. فأعظم وصية يتركها النبي لأبنائه هي كلمة التوحيد.

رؤية في القصة

وتؤكد القصة أن الدعوة لا تُقاس بكثرة الأتباع، فبعد قرون ما آمن معه إلا قليل. وأن النجاة بالإيمان لا بالنسب، وأن الصبر على الحق عبادة قائمة، وأن وعد الله حق، وأن العاقبة للمتقين. وكل ما يُتداول في بعض الكتب من أسماء من ركب معه، وعدد أهل السفينة، وما حمل من حيوانات بأسمائها، وتفاصيل خروج الغراب والحمامة، وما قيل عن قبره أو عن ابنه الرابع، فليس في القرآن ولا في الصحيح، ويأتي معظمه من الإسرائيليات، وقد تركناه.

العبرة

أن الدعوة تُقاس بالصدق والصبر لا بكثرة الأتباع، وأن النجاة بالإيمان لا بالنسب، وأن الإنسان يعود إلى ربه إذا سأل ما لا يعلم عاقبته.

المصدر: القرآن الكريم: سور نوح، وهود (الآيات 25-49)، والمؤمنون، والشعراء (الآيات 105-122)، والأعراف (الآيات 59-64)، والقمر (الآيات 9-17)، والعنكبوت (الآيتان 14-15)، والصافات، والأنبياء، والتحريم. السنة: صحيح البخاري (تفسير سورة نوح عن ابن عباس في أصل أصنام قوم نوح، وحديث شهادة هذه الأمة لنوح، وحديث الشفاعة)، وصحيح مسلم والبخاري (إنذار نوح قومه الدجال)، ومسند أحمد (وصية نوح لابنه، وصححه الألباني). ومن التفسير: ابن كثير والسعدي، منسوبًا لقائليه.

الدرجة: من القرآن الكريم + ما صح في البخاري ومسلم + مسند أحمد (وصية نوح، صححه الألباني). ما ذُكر عن الجبل ومعاني فار التنور مما قاله المفسرون، ونُبّه عليه في النص.