من هو لقمان؟
سمّى الله سورة كاملة من كتابه باسم رجل صالح حكيم، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وهي سورة لقمان، وهي سورة مكية في الجملة. ولم يذكر القرآن عن لقمان إلا أنه آتاه الحكمة، ثم ذكر وصاياه لابنه، فليس في القرآن اسم أبيه ولا بلده ولا زمانه ولا مهنته، وليس في صحيح السنة شيء من ذلك. ولذلك ينبغي التفريق بين ما ثبت وما ذُكر من الأخبار.
أما ما ثبت: فهو أن الله آتاه الحكمة، وأنه وعظ ابنه بوصايا ذكر القرآن عددًا منها. وأما ما لم يثبت: فقد ذكر المفسرون عن بعض التابعين، كما نقل ابن كثير في تفسيره، أنه كان عبدًا حبشيًّا نجّارًا، وقيل كان من سودان مصر ذا مشافر غليظة، وقيل كان راعيًا، وقيل كان خيّاطًا. وهذه روايات عن السلف فيها اختلاف كثير، ولا يثبت منها خبر مرفوع إلى النبي ﷺ، فالأولى أن لا يُقطع بشيء منها. وكذلك ما يُروى من قصص عنه في كتب التراث، كقصة الشاة التي ذبحها سيده وأمره أن يأتيه بأطيب عضو وأخبثه فجاءه باللسان والقلب في الحالتين، فهي من القصص الشعبية التي لا تُعرف لها أسانيد صحيحة، فلا تُنسب إلى لقمان على سبيل الثبوت.
واختلف العلماء: هل كان لقمان نبيًّا أم حكيمًا صالحًا؟ وجمهور العلماء على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما كان رجلًا صالحًا حكيمًا، وقد نقل ابن كثير عن عكرمة وغيره القول بأنه كان نبيًّا، وحكى عن الجمهور خلافه. والظاهر من ألفاظ القرآن أنه آتاه الحكمة ولم يقل: أوحينا إليه، ولا قال: أرسلناه، بخلاف ما جاء في سائر الأنبياء. وقال مجاهد: الحكمة هي الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوة، وهذا ما نقله الطبري وابن كثير. وفي بعض ما رُوي أنه خُيّر بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وهو خبر ذكر في كتب التفسير ولم يثبت من وجه صحيح، فلا نبني عليه شيئًا.
ما معنى الحكمة؟
قال العلماء: الحكمة وضع الشيء في موضعه، وهي العلم النافع المقرون بالعمل، وهي فهم الحق وإصابة الصواب في القول والفعل. وقد ذكر الله الحكمة في القرآن مع الكتاب في مواضع كثيرة، وقال: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وفي الآية التي معنا بيّن الله أن أول ثمرة للحكمة: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾. فكأن الحكمة تبدأ بالشكر، ومن لم يشكر المنعم لم يكن حكيمًا ولو كثر علمه. ثم بيّن أن الشكر نفعه لصاحبه: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، وأن الله غني عن شكر عباده: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
الوصية الأولى: التوحيد
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وانظر إلى أسلوب الأب الحكيم: بدأ بنداء الحنان «يا بنيّ»، وهي صيغة تصغير تحبّب وتلطّف، وكرّرها في هذه الوصايا، فقال العلماء إن في تكرار النداء تلطفًا بالابن وتنبيهًا له واهتمامًا بالموعظة. ثم ابتدأ بأصل الدين وأعظم ما يُوصى به: عدم الإشراك بالله.
وعلّل الوصية بأن «الشرك لظلم عظيم»، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم الوضع الخاطئ أن يُجعل المخلوق ندًّا للخالق. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». فهذا تفسير نبوي صحيح لهذه الوصية، وفيه أن المراد بالظلم الشرك. وفيه فائدة أن النبي ﷺ استشهد بكلام لقمان في القرآن، فهو حجة في معنى الآية.
وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل فبشّرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة». وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل: أيّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك». ففي هذه الأحاديث تأكيد لما بدأ به لقمان.
الآيتان المعترضتان: برّ الوالدين
ثم تأتي آيتان بأسلوب مختلف، وليستا من كلام لقمان على الراجح عند المفسرين، قال ابن كثير: إنهما معترضتان بين وصايا لقمان من كلام الله تعالى يوصي بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وسبب اتصالها بالوصية السابقة أن الله لما نهى عن الشرك، وقد يكون من أسباب الشرك طاعة الوالدين الكافرين، بيّن حدود الطاعة. فبرّ الوالدين مقرون في القرآن بالتوحيد، وقد جاء ذلك في عدة مواضع، ومنها: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ويذكر القرآن فضل الأم وتعبها: حملته أمه ضعفًا على ضعف، أي ضعفًا بعد ضعف، وفطامه في عامين، وهي مدة الرضاعة التامة. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي ﷺ: من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك».
والمشهور في سبب نزول الآية الثانية ما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «نزلت فيّ أربع آيات...»، وذكر منها قصة أمه حين حلفت ألا تكلمه حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، وقالت: زعمت أن الله وصّاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. فمكثت ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وفي رواية أخرى لمسلم أنه قال لها: «يا أماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركتُ ديني هذا، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي». والآية المذكورة في رواية مسلم هي آية سورة العنكبوت التي جاء فيها هذا النص، وآية لقمان في المعنى نفسه، وهذا من باب أن سبب النزول يشمل ما يشبهه. ونبّه العلماء إلى أن قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يدل على أن الأمر بعدم الطاعة في الشرك لا يلغي الإحسان إليهما بالمعروف، وإن كانا كافرين.
الوصية الثانية: رقابة الله
ثم يعود الحديث إلى وصايا لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
والضمير في «إنها» يعود، على ما ذكره المفسرون، إلى الخطيئة أو المظلمة أو العمل، أي: إن الخطيئة وإن كانت بوزن حبة خردل، وهي من أصغر ما يعرفه الناس وزنًا، ثم كانت داخل صخرة صماء، أو في أبعد مكان في السماوات أو في الأرض، يحضرها الله يوم القيامة ويحاسب عليها. وهذه حقيقة تُربّي المراقبة: أن لا شيء يخفى على الله، وأن العمل القليل لا يضيع، لا في الخير ولا في الشر.
وهذا المعنى نظير قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وفي معنى الإحسان في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ حين سأله جبريل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، رواه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه. وقد ختم لقمان وصيته بصفتين من أسماء الله: «اللطيف الخبير». قال المفسرون: اللطيف هو الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، ويوصل الخير بلطف، والخبير هو العالم ببواطن الأشياء وكنهها.
وفي هذه الوصية تحذير من الاستهانة بالصغائر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: «إياكم ومحقّرات الذنوب، فإنما مثل محقّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقّرات الذنوب متى يُؤخذ بها صاحبها تُهلكه». وفيه حثّ على عدم احتقار القليل من الخير، وقد قال ﷺ في الصحيحين: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» رواه مسلم، وفي الصحيحين: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
الوصية الثالثة: الصلاة والأمر والنهي والصبر
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. جمع لقمان في هذه الوصية أربعة أمور بينها ترابط وثيق:
أولها: إقامة الصلاة. وهي عمود الدين وأول ما يحاسب عليه العبد. وإقامة الصلاة أبلغ من مجرد أدائها، لأنها تعني أداءها بشروطها وأركانها وخشوعها. وقد روى أبو داود بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع». فالتربية على الصلاة من الصغر سنة نبوية، ولقمان يوصي بها ابنه.
ثانيها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن الحكيم لا يرضى لنفسه الصلاح وحدها، بل يتعدّى نفعه إلى غيره. وقد قال النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا يقتضي العلم والرفق، فمن يأمر وينهى بغير علم أو بغير رفق قد يفسد أكثر مما يصلح.
ثالثها: الصبر على ما يصيب. وجاء الأمر بالصبر بعد الأمر والنهي، لأن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا بد أن يُؤذى. قال المفسرون: لذلك أوصاه بالصبر على ما يلحقه من أذى الناس. وهذا نظير ما قاله الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد: «ما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر».
رابعها: وصف ذلك بقوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، أي مما عزمه الله وأمر به، أو من الأمور التي تحتاج إلى عزيمة وإرادة قوية، وهي الأمور المستحقة للعناية.
الوصية الرابعة: التواضع
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. والتصعير هو أن يميل الإنسان بخدّه تكبّرًا إذا كلّمه الناس أو كلّموه، وهو إعراض المتكبر. وقد فسّره ابن عباس ومجاهد بما معناه أنه التكبّر والإعراض عن الناس احتقارًا، وقال المفسرون: لا تُمِل وجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك تكبرًا. والمرح هو شدة الفرح والبطر والخيلاء. وختم الله بنهي ووعيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، والمختال هو المتكبّر في نفسه، والفخور هو الذي يفخر على غيره.
وقد جاءت السنة الصحيحة توضح هذه الوصية. ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». ففرّق بين التجمل المباح وبين الكبر المذموم، وبيّن أن الكبر هو رد الحق وازدراء الناس. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة تعجبه نفسه مرجّل جمّته، إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
ومن صور التواضع في سيرته ﷺ ما رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن أمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي ذلك دلالة على سعة تواضعه. فهذه الوصية يُتممها بالسلوك النبوي.
الوصية الخامسة: القصد في المشي وخفض الصوت
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. القصد هو التوسط والاعتدال، فلا إسراع مفرط يذهب الوقار، ولا بطء متماوت. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. وفي حديث أبي هريرة عند أحمد في وصف مشي النبي ﷺ: «ما رأيت أحدًا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث». وفي حديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه جاء والنبي ﷺ راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي ﷺ: «زادك الله حرصًا ولا تعد»، رواه البخاري، وهو أصل في النهي عن الإسراع المفضي إلى الإخلال بالسكينة في المشي إلى الصلاة. وقد قال النبي ﷺ: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار» متفق عليه من حديث أبي هريرة.
وأما خفض الصوت فهو أدب الحديث، ولا يعني أن يكون الصوت خافتًا بحيث لا يُسمع، بل المقصود ترك الصياح ورفع الصوت بغير حاجة. وأما قوله ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ فهو تقبيح شديد لرفع الصوت بغير داعٍ، إذ شبّهه بنهيق الحمير، وهو أقبح الأصوات وأبغضها. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانًا». ويقول المفسرون: إن رفع الصوت في المخاطبة قد يكون سببه الغضب والجهل أو الاستعلاء، فأرشد لقمان إلى خفضه. ومن الأمثلة النبوية قوله ﷺ: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» متفق عليه، وقوله ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه» رواه مسلم.
وصايا منسوبة إلى لقمان في غير القرآن
وقد نُقل عن لقمان أقوال أخرى في كتب الأدب والزهد، وبعضها أُسند إليه بلا إسناد صحيح. من ذلك ما رواه الإمام مالك في الموطأ بلاغًا (أي بلا سند) أن لقمان قال لابنه: «يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء». وهذه الحكمة موافقة للقرآن والسنة في فضل مجالسة العلماء، لكنها ليست وحيًا، ولا يُنسبها المسلم إلى لقمان على سبيل الجزم، وإنما يقول: روي عنه. وما كثر نقله في الكتب من حكم أخرى منسوبة إليه فنعرضها على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو حسن مقبول من جهة المعنى وإن لم تثبت نسبته، وما خالفهما فمردود.
سياق السورة: كيف يتصل لقمان بما قبله وبعده
افتتحت السورة بالحديث عن الكتاب الحكيم هدىً ورحمةً للمحسنين، ثم عرضت صنفين من الناس: من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله، ومن يؤمن ويعمل الصالحات. وقد ذكر المفسرون أن من أشهر من نزلت فيه آية لهو الحديث النضر بن الحارث، الذي كان يشتري أخبار الفرس وملوكهم ويحدّث بها قريشًا ليصرفهم عن سماع القرآن، كما ذكر ابن إسحاق وغيره في سبب النزول. وفي هذا السياق جاءت قصة لقمان لتقابل بين من يملأ المجالس بالباطل وقصص الملوك، ومن آتاه الله الحكمة فاستخدمها في وعظ ابنه بالتوحيد والأخلاق. ففي السورة تقابل بين طريقين: طريق اللهو الذي يُضلّ، وطريق الحكمة التي تهدي.
ثم تأتي بعد الوصايا آيات الاعتبار بآيات الله في الكون: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. وتختم السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله»، ثم قرأ هذه الآية. وهي تعود إلى المعنى الذي بدأ به لقمان: «إن الله لطيف خبير»، فعلم الله محيط بالغيب الذي لا يطّلع عليه أحد.
الطريقة التربوية في وصايا لقمان
يمكن أن نستنبط من أسلوب لقمان في وعظ ابنه ما يلي، وهو مستفاد من النص القرآني نفسه:
أولًا: بدأ بالأهم قبل المهم: التوحيد، ثم الإحسان إلى الوالدين (في الآيتين المعترضتين)، ثم المراقبة، ثم الصلاة والأمر بالمعروف، ثم الأخلاق مع الناس. وهذا ترتيب منطقي يبدأ بحق الله ثم حق الناس.
ثانيًا: استعمل النداء الرقيق «يا بنيّ» في كل وصية، فجمع بين السلطة الأبوية والحنان، وهذا يدل على أن الوعظ لا يحتاج إلى غلظة.
ثالثًا: علّل أوامره ونواهيه. فقال في الشرك: «إنه لظلم عظيم»، وفي الخطيئة: «إن الله لطيف خبير»، وفي الصبر: «إن ذلك من عزم الأمور»، وفي الاختيال: «إن الله لا يحب كل مختال فخور»، وفي الصوت: «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير». فالتربية بالحجة والبيان لا بمجرد الأمر.
رابعًا: جمع بين صلاح الفرد وصلاح المجتمع، فلم يقتصر على العبادة بل أوصى بالأمر والنهي والتواضع وحسن المعاملة. وهذا ما يجعل الوصايا منهج حياة متكاملًا.
خامسًا: ربط العمل بالجزاء الأخروي: «يأتِ بها الله»، فالمراقبة الدائمة هي الضامن لصلاح السلوك.
خاتمة
هذه وصايا رجل لم يذكر القرآن عن نسبه ولا بلده ولا عمله، فلم يرفعه بنسب ولا سلطان، وإنما رفعه بحكمته، وجعل كلامه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة. وفي هذا درس لمن يعتقد أن الشرف في الجاه أو النسب أو الملك: الشرف بالحكمة والإيمان والخلق. وقد قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.
ويقول الله تعالى بعد هذه الوصايا بآيات: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. فهذه هي خلاصة وصايا لقمان لابنه: أن يُسلم المرء وجهه لله مع الإحسان، فيكون قد تمسّك بالعروة الوثقى.
