Islamic MixIslamic Mix
‹ قصص الأنبياء الكاملة
قصص الأنبياء الكاملةقصة نبيموثّقمدة القراءة نحو ٢٤ دقيقة

فتن سورة الكهف: صاحب الجنتين وموسى والخضر وذو القرنين

صاحب الجنتين وموسى والخضر وذو القرنين

ثلاث قصص وخيط واحد

بعد قصة أصحاب الكهف تتابع سورة الكهف ثلاث قصص: صاحب الجنتين، وموسى مع الخضر، وذو القرنين. وهي قصص قرآنية ثابتة، ولكل منها فتنة تعالجها: فتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة السلطان والقوة. وقد جاء ترتيبها في السورة على هذا النحو، وسنتتبعها بنفس الترتيب القرآني، معتمدين على نص القرآن وصحيح السنة، ومستعينين بتفسير ابن كثير والطبري والسعدي مع نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتاركين الإسرائيليات التي لا يشهد لها دليل.

القصة الأولى: صاحب الجنتين

يقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ۝ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.

والآية تبدأ بقوله ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾، فقال بعض المفسرين: هذا مثل مضروب ليتعظ به الناس، وقال آخرون: بل هما رجلان حقيقيان، والقرآن لم يسمّهما ولم يحدد زمانهما. وقد ذكر بعض المفسرين أنهما أخوان من بني إسرائيل وسمّوهما بأسماء، وهذه لا تثبت، فإن القرآن لم يذكر اسميهما، ولا صحيح السنة، فلا نخوض فيما أبهمه الله. والمقصود المثل والعبرة.

جنة مكتملة وقلب خاوٍ

أنعم الله على أحد الرجلين بجنتين من أعناب، محفوفتين بالنخل، وبينهما زرع، وفجّر بينهما نهرًا، فلا تعوزهما مياه ولا تنقصهما ثمار. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾، أي لم تنقص من ثمرها شيئًا. وهذا وصف لكمال النعمة، وكل ما في المشهد خير: أشجار وماء وزرع وثمر.

﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. هنا تبدأ الفتنة. لم يشكر الله على ما أعطاه، بل افتخر على صاحبه الفقير بكثرة المال وكثرة الأعوان والأولاد. ثم ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ۝ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾.

فانظر إلى مسار الفتنة: افتخار على الناس، ثم ظنّ أن النعمة خالدة، ثم إنكار للبعث، ثم تألٍّ على الله بأنه لو رُدّ إليه لوجد عنده خيرًا مما عنده في الدنيا. وهذا ما قاله بعض الكفار في موضع آخر من القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ﴾. وقد وصف القرآن حاله بأنه ﴿ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾، فليس الظلم هنا على الناس بقدر ما هو ظلم لنفسه بالكفر.

وصية المؤمن: ما شاء الله لا قوة إلا بالله

ردّ عليه صاحبه المؤمن بلا غضب ولا تحقير، بل بالحجة والنصح: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ۝ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. ذكّره بأصله: تراب ثم نطفة ثم رجل. وهذا الأسلوب يهدم الكبر من جذوره: فمن خُلق من تراب لا يليق به أن يتعالى. ثم أعلن عقيدته بوضوح: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.

ثم علّمه أدب النعمة: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ۝ فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ۝ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. أي: هلّا قلت عند دخولك بستانك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. و«الحسبان» العذاب والبلاء من السماء، و«الصعيد الزلق» الأرض الملساء التي لا ينبت فيها شيء، و«الغور» ذهاب الماء في الأرض بحيث لا يُدرك.

وفي هذه الكلمة، «لا قوة إلا بالله»، ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». وقال السلف: من أعجبه شيء من ماله أو ولده أو حاله فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لئلا تصيبه العين أو يُسلب النعمة، وقد ورد في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال، لكن دلالة الآية كافية على استحباب هذا القول عند رؤية النعمة.

النهاية: كفّان يُقلَّبان

وتأتي النهاية على ما توقّع المؤمن: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ۝ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾.

لاحظ التصوير: «يقلّب كفّيه»، وهي حركة تدل على الندم والحسرة والعجز عن تدارك الأمر. وقد أنفق في بستانه وتعب في عمارته، فلما أُحيط بثمره لم يبق إلا الأعمدة والعروش الخاوية. وقال المفسرون: «خاوية على عروشها» أي ساقطة سقوفها ثم ما فوقها من الكروم. ثم قال ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، وقد يكون إقراره بالشرك الآن بعد المصيبة. قال بعض المفسرين: إنه أدرك أن سبب مصيبته ذنبه، وقال آخرون: ندم لما رأى العقوبة، ولم تفده التوبة بعد المعاينة. ولا نجزم بما وراء ذلك، فالقرآن لا يخبر هل مات على كفره أم تاب، وإنما ذكر الندم.

مثل الحياة الدنيا

ثم اتبع الله القصة بمثل جامع: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ۝ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما في «الباقيات الصالحات» إنها الصلوات الخمس، ورُوي عنه أنها ذكر الله. وفي الحديث الذي رواه النسائي وصححه بعض أهل العلم أن النبي ﷺ فسّرها بقوله: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». فالمال والبنون زينة تفنى، والباقيات الصالحات هي الأعمال التي تبقى للعبد. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس».

القصة الثانية: موسى عليه السلام مع الخضر

وهذه قصة رواها البخاري ومسلم عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي ﷺ، وجاءت في القرآن الكريم في سورة الكهف. وسنجمع بين نص القرآن وبيان الصحيح من السنة.

سبب الرحلة

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر، فقال: كذب عدو الله. ثم حدّثنا أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمّ». فانطلق وانطلق معه فتاه، وهو يوشع بن نون، وحملا حوتًا في مكتل.

وفي هذا فائدة أدبية من أول القصة: أن المرء إذا سُئل أيّ الناس أعلم، فالأدب أن يردّ العلم إلى الله ويقول: الله أعلم. وقد عاتب الله موسى، وهو من أولي العزم، لأنه لم يردّ العلم، فكيف بغيره؟ وفيها أن العالم مهما بلغ من العلم فوق كل ذي علم عليم.

وأما مجمع البحرين فلم يرد في القرآن ولا في صحيح السنة تعيينه. وقد ذكر المفسرون أقوالًا: بحر فارس والروم، أو غير ذلك. والصواب الإبهام الذي أبهمه الله.

الحوت الذي اتخذ سبيله في البحر

حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، وفي الصحيح: «فاضطرب الحوت في المكتل فخرج فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سَرَبًا»، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق. وفي القرآن: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره. فلما أصبح قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾، وفي الصحيح: «ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أُمر به». قال فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال موسى: ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي رجعا يقتفيان أثرهما.

وفي حديث أبيّ عند البخاري: «فكان للحوت سربًا ولهما عجبًا». ففي هذه المقدمة أن النبي المرسل يتعب في طلب العلم، وأن العلامة قد ترتبط بحدث غريب، وأنه لا ينبغي أن يحرم التائه من العودة على أثره.

اللقاء

ثم قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾. وفي الصحيح: «فإذا رجل مسجّى بثوب»، وفي رواية: «على كبد البحر»، فسلّم موسى، فقال الخضر: «وأنّى بأرضك السلام؟» فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وسُمّي الخضر بهذا الاسم لما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنما سُمّي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء».

ويُلاحظ أن القرآن لم يذكر اسمه، وإنما قال: «عبدًا من عبادنا»، وسمّاه النبي ﷺ في الحديث الصحيح بالخضر. وقد اختلف العلماء: هل هو نبي أم وليّ؟ فذهب كثير من العلماء إلى أنه نبي، واستدلوا بقوله على لسانه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، فهذا يدل على أنه فعله بوحي وأمر من الله، وإذ كان الوحي فهو نبي. ورجّح هذا الحافظ ابن كثير في تفسيره، وقيل إنه ولي صالح علّمه الله علمًا خاصًّا، وهو قول بعض العلماء. والمقطوع به أنه عبد صالح آتاه الله علمًا لدنيًّا لم يؤته موسى عليه السلام.

وأما ما يُشاع بين الناس أن الخضر ما زال حيًّا يظهر للصالحين ويرشد التائهين ويُعلّم الأولياء، فقد ذهب جمع من الحفاظ والمحققين، منهم ابن تيمية وابن كثير وابن حجر، إلى أنه لا يصحّ في حياته حديث، وأن الدليل يدل على أنه مات. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ صلّى بهم العشاء في آخر حياته، فلما سلّم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد». فمن زعم أنه لقي الخضر فهو إما واهم أو مدّعٍ، ولا يُبنى عليه حكم شرعي.

شرط الصحبة

قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. فانظر إلى أدب هذا الطلب: لم يقل «علّمني»، بل استأذن: «هل أتبعك؟»، وجعل نفسه تابعًا، وهو كليم الله وصاحب التوراة. وهذا أدب الطالب مع العالم، فإن العلم يُنال بالتواضع. قال الخضر: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ۝ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. وفي الصحيح قال له: «يا موسى، إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه». فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. فاشترط عليه: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

السفينة

﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾. وفي الصحيح أنهما مرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، أي بغير أجرة. وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: «يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر». فما أعظم هذه الصورة في التواضع العلمي! ثم عمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه. فقال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، وفي الصحيح: «قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها». فقال الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. قال النبي ﷺ: «فكانت الأولى من موسى نسيانًا».

الغلام

﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾. وفي الصحيح: «فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الصبيان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده». وقد غضب موسى غضبة لله، لأن ظاهر الفعل قتل نفس بريئة. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فقال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾. قال النبي ﷺ: «فكانت الثانية شرطًا».

الجدار

﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. وفي الصحيح: «فقام الخضر فأقامه بيده»، وجاء في رواية: «مسحه بيده فاستقام». استطعما أهلها فأبوا ضيافتهما، ومع ذلك أقام الجدار بلا أجر. فقال موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، فهذا حقهما بعد أن منعهما أهل القرية، ولهذا قال الخضر: ﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقد وصفت الرواية الثالثة: «فكانت الثالثة عمدًا»، أي بعد علم الشرط.

التأويل: ثلاث حكم

وذكر الخضر الحكمة وراء كل فعل:

الأولى: السفينة. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. أي إن عيبها حفظٌ لها من ملك ظالم يغتصب السفن الصالحة. وجاء في بعض القراءات: «كل سفينة صالحة»، وفي رواية للبخاري عن ابن عباس أنه قرأ كذلك. فما بدا إفسادًا كان إصلاحًا لأن الضرر الأكبر دُفع بضرر أصغر.

الثانية: الغلام. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۝ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. ومعنى ذلك أن الله أعلم الخضر أن هذا الغلام لو عاش لأتعب أبويه المؤمنين بطغيانه وكفره، فأراد الله أن يعوّضهما خيرًا منه زكاة، أي صلاحًا وطهارة، وأقرب رحمة، أي أبرّ بوالديه وأوصل لرحمه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ ما يدل على أن الخضر أُمر بذلك بوحي وأنه من علم الله الخاص: «وإن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا». وأما ما روي من أنهما رُزقا بنتًا تزوّجها نبي أو وُلد منها أنبياء، فهذا من الإسرائيليات وروايات لا تصح، فنتوقف عنده.

الثالثة: الجدار. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وفي الآية بيان أن الله حفظ اليتيمين بصلاح أبيهما، وقد استنبط العلماء منها أن صلاح الآباء يحفظ الله به الأبناء. وروى الترمذي والحاكم من حديث أبي ذر مرفوعًا أن الكنز كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه كلمات، وهو حديث ضعيف لا يصح. وقد قال بعض السلف إنه كان مالًا، وذهب جمهور المفسرين إلى أنه مال مدفون، وهو الظاهر من لفظ «كنز».

وفي الآيات لطيفة لغوية بديعة في الأدب مع الله: في الأول قال الخضر: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فنسب العيب إلى نفسه، لأنه ظاهره شر. وفي الثاني قال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ بصيغة الجمع. وفي الثالث قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فنسب الخير إلى الله وحده. وقد نبّه إليها ابن كثير والسعدي وغيرهما: نسب ما صورته الشر إلى نفسه تأدبًا، وما اجتمع فيه الأمران بالجمع، وما هو رحمة محضة إلى الله.

وقال النبي ﷺ في الصحيح عقب ذكر القصة: «يرحم الله موسى، لوددنا لو صبر حتى يقصّ علينا من أمرهما». أي أن النبي ﷺ تمنّى لو طال الصحبة بين موسى والخضر لتزداد القصة، وفي هذا أن الصبر على طلب العلم من أسباب الزيادة فيه.

ما يُؤخذ من قصة موسى والخضر

أولًا: التواضع في طلب العلم. فموسى عليه السلام رحل رحلة شاقة ليتعلم، وقال: «هل أتبعك؟»، ونحن أولى بالتواضع.

ثانيًا: أن علم الله فوق علم كل مخلوق، وأن مجموع علوم البشر قطرة في بحر. وهذا ما قاله الخضر بصورة العصفور.

ثالثًا: أن ما يبدو لنا شرًّا قد يكون خيرًا، وما نحبه قد يكون شرًّا. وهذا المعنى مقرر في القرآن: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ولهذا فالمؤمن يسلّم لقضاء الله ولو لم يفهم الحكمة.

رابعًا: ضرورة التفريق بين ما فعله الخضر بأمر الله وبين الأحكام الشرعية العامة. فقد نبّه العلماء، ومنهم ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، على أنه لا يجوز لأحد أن يقتل أو يتعدى على مال أحد بدعوى أنه يعلم الباطن من غير وحي، فإن الأحكام تُبنى على الظاهر، والخضر إنما فعل ما فعل بوحي خاص، وقد انقطع الوحي. وهذا يرد على بعض الفرق التي استدلت بالقصة على أن للأولياء علمًا باطنًا يُسقط الشريعة، فهذا باطل.

خامسًا: الأخذ بالأسباب: حمل الحوت زادًا، وقد وُجد الخضر بالعلامة لا بالمصادفة.

القصة الثالثة: ذو القرنين

وأما القصة الثالثة فيبدؤها القرآن بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾. وقد ذكرنا سابقًا أن سبب نزول ذكره، على ما في كتب التفسير والسير، أن اليهود أمروا قريشًا أن يسألوا النبي ﷺ عن الرجل الطوّاف، فنزلت الآيات. وقوله «سأتلو عليكم منه ذكرًا» أي بعض خبره لا كله، وفي هذا إشارة إلى أن القرآن ينتقي من القصة موضع العبرة، لا ما يشبع الفضول التاريخي.

من هو ذو القرنين؟

سكت القرآن عن اسمه وعن زمانه وعن بلده، ولم يصح في السنة الصحيحة تعيين شيء من ذلك. واختلف العلماء فيه اختلافًا واسعًا:

فذهب بعضهم إلى أنه الإسكندر المقدوني تلميذ أرسطو، وهذا قول مشهور في كتب التفسير والتاريخ. ورد عليه ابن كثير في «البداية والنهاية» وفي تفسيره، فقال إن ذا القرنين المذكور في القرآن كان مؤمنًا صالحًا عادلًا، وكان في زمن قديم، قيل: في زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، وإن الإسكندر المقدوني كان متأخرًا عنه بأزمان طويلة وكان على دين اليونان، فلا يصح الخلط بينهما. وقد قال ابن كثير في هذا ما معناه: إن الإسكندر الثاني الذي هو ابن فيلبس المقدوني متأخر جدًّا عن الأول. وذهب آخرون من المعاصرين إلى أنه كورش الأخميني ملك الفرس، وهو قول بعض العلماء المحدثين، ومنهم من قال: ملك من ملوك اليمن من حِمْير. وكل هذه الأقوال اجتهادات تاريخية لا دليل قاطعًا عليها. وما يهمنا أن القرآن وصفه بأن الله مكّن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا.

ورُوي عن أبي هريرة مرفوعًا في المستدرك للحاكم أن النبي ﷺ قال: «ما أدري أتُبَّع لعين هو أم لا، وما أدري ذا القرنين أنبيٌّ هو أم لا»، وفي ثبوته كلام، فمن المحدثين من صححه ومنهم من أعلّه بالإرسال. فإن ثبت فالمعنى أن النبي ﷺ لم يُوحَ إليه بشأنه، وعلى كل حال فلا نقطع بنبوته ولا بنفيها. وأما تسميته بذي القرنين فاختلف فيها: قيل لأنه بلغ قرني الشمس أي مشرقها ومغربها، وقيل لضفيرتين كانتا له، وقيل غير ذلك. ولا يثبت من هذه الأقوال خبر صحيح.

التمكين والسبب

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ۝ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. التمكين هو الملك والقدرة، والسبب هو الطريق والوسيلة، أي أعطاه الله الوسائل التي يبلغ بها مقاصده من علم وقدرة وجند وأدوات. ثم أخذ بالأسباب، فتبع سببًا، فسار.

إلى مغرب الشمس

﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾. قال المفسرون: معنى «وجدها تغرب في عين حمئة» أي رآها في رأي العين كذلك، وهو يرى الشمس تغرب في البحر أو العين الكثيرة الطين، كما يظن الناظر إلى البحر أن الشمس تغرب فيه، وليس في الآية أن الشمس تدخل حقيقة في عين، فهي حكاية ما رآه. وقد قرأ بعض القراء «حامية» أي حارّة، وقرأ آخرون «حمئة» أي ذات حمأ وطين، والمعنى مشتمل عليهما. ومعنى ما ذكره ابن كثير أنه رآها بالنسبة إلى رأي العين تغرب في البحر المحيط.

ثم خيّره الله بين أن يعذب القوم الكافرين وبين أن يحسن إليهم، وقد أجاب جواب العادل: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا ۝ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. أي: من ظلم عوقب في الدنيا، ثم يلقى عذاب الله في الآخرة، ومن آمن وعمل صالحًا جازاه بالإحسان وسيّر له الأمور. وقد فهم من هذا الجواب أنه وضع منهجًا للحكم قائمًا على العدل والثواب والعقاب لا على الهوى.

إلى مطلع الشمس

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ۝ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ۝ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. أي بلغ أقصى المشرق، فوجد قومًا لا يستترون من الشمس بشيء من بناء أو لباس أو جبال، قيل لقلة العمران عندهم أو لطبيعة أرضهم. وقد ذكر المفسرون عن الحسن وقتادة أنها أرض لا تحمل بناءً، وهي أقوال للمفسرين لا نص صحيح فيها، والله أعلم. ثم قال: ﴿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾، أي: علمنا ما عنده من القدرة والأسباب علمًا تامًّا.

بين السدين

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ۝ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ۝ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.

وصل إلى منطقة بين جبلين، وكان هناك قوم ضعاف في الفهم لغتهم غريبة، أو بعيدة المنال، يشكون من فساد يأجوج ومأجوج. وعرضوا عليه أن يجمعوا له خراجًا، أي مالًا، مقابل أن يبني لهم سدًّا. وهذا يدل على عقله، إذ فهم لغتهم أو بترجمان، وعلى أنه سمع منهم حاجتهم.

وقد عرف الله يأجوج ومأجوج في القرآن بأنهم «مفسدون في الأرض»، وأخبر عن خروجهم عند الاقتراب من الساعة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾. وجاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه في خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام: أن الله يوحي إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها... ثم يرسل الله عليهم النَّغَف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. وأما كثرتهم فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الله تعالى يقول لآدم يوم القيامة: «أخرج بعث النار»، قال: وما بعث النار؟ قال: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين»، وقال ﷺ في الحديث نفسه: «أبشروا، فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا».

بناء الردم

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ۝ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

جاء جواب ذي القرنين متواضعًا: «ما مكّني فيه ربي خير»، أي ما أعطاني ربي من المال والملك خير مما تعرضونه، فلا أريد أجرًا. لكنه طلب منهم المعونة بالقوة: عمالة وأدوات. وتفصيل البناء مذكور في الآيات: أن يأتوه بقطع الحديد، فيضعها بين الجبلين حتى تساوي رأسيهما، وهما «الصدفان»، ثم نفخوا عليها بالنار حتى صارت كالنار، فصبّ عليها القِطْر، وهو النحاس المذاب كما قال ابن عباس ومجاهد، فاحتدم الحديد بالنحاس فصار سدًّا صلبًا.

﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، أي لا يستطيعون الصعود عليه لارتفاعه وملاسته، ولا ثقبه لصلابته وسمكه.

قال هذا رحمة من ربي

وبعد هذا العمل الهندسي العظيم لم يتكبر ذو القرنين ولم يذكر قوته، بل قال: ﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. نسب النعمة إلى الله، وأقرّ أن السد سيُدَكّ، أي يهدم ويستوي بالأرض حين يأتي وعد الله، وهو الموعد الذي يقدّره الله لخروج يأجوج ومأجوج. قال بعض المفسرين: وعد ربي هو قيام الساعة، وقيل: وقت خروج يأجوج ومأجوج قبل الساعة. ثم قال الله عقب ذلك: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.

وهذا السلوك هو الدرس العظيم في هذه القصة: ملك مكّنه الله وأعطاه من العلم والقدرة والعدل ما أعطاه، ولم يُبطره، وجعل رحمة الله عليه وعلى الناس أصل كل شيء. وهذا هو الفرق بين صاحب الجنتين وذي القرنين: كلاهما أُعطي ملكًا ومالًا؛ أما الأول فقال: «أنا أكثر منك مالًا»، وأما الثاني فقال: «هذا رحمة من ربي».

ما ثبت وما لم يثبت في شأن السد

ورد في السنة أن النبي ﷺ أخبر أن السد قد فُتح فيه فتح يسير. ففي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». وهذا حديث صحيح فيه الإنذار من الفتن، وفيه أن أمر السد غيبي لا يعلم تفاصيله إلا الله.

ورُوي في حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وابن ماجه أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، فإذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله ولا يستثني، فيرجعون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون. وقد قال الترمذي: حسن غريب، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناده جيد قوي، ولكن في رفعه نكارة لأن ظاهر القرآن يدل على أنهم لا يستطيعون نقبه، وقد يكون هذا من أخبار كعب الأحبار التي سمعها أبو هريرة فظنها مرفوعة. فالأولى التوقف في هذا التفصيل، وعدم الجزم بأنهم يحفرون كل يوم.

أما ما تتناقله بعض المصادر من وصف أشكال يأجوج ومأجوج وأحجامهم وأوصافهم الخارقة، أو ما ينسب إلى بعض الرحّالة من تعيين موقع السد في بلد معين، فلا دليل عليه من القرآن ولا من صحيح السنة، وهو من الإسرائيليات والأخبار التاريخية غير الموثقة، فنتركه.

عبرة السورة كلها

وجعل بعض أهل العلم هذه القصص الأربع في سورة الكهف مفاتيح لمعرفة أبواب الفتنة: فتنة الدين ومثالها الفتية، وفتنة المال ومثالها صاحب الجنتين، وفتنة العلم ومثالها موسى والخضر، وفتنة السلطان ومثالها ذو القرنين. ثم خُتمت السورة بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وبيّن النبي ﷺ أن الدجال هو أعظم الفتن، وأرشد إلى قراءة أوائل الكهف لمن أدركه، كما في صحيح مسلم.

وملخص الدروس: أن المال نعمة تستوجب الشكر لا الفخر؛ وأن العلم يستوجب التواضع لا الكبر، وأن العالم قد يجهل ما يعلمه غيره؛ وأن القوة والسلطان رحمة إن وُضعا في خدمة العدل والضعفاء، وهلاك إن اقترنا بالطغيان. وأن العاقبة لمن اتقى، وأن علم الله فوق كل علم، فنقول مع الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور.

العبرة

المال يُشكر لا يُفتخر به، والعلم يوجب التواضع، والقوة رحمة إن اقترنت بالعدل، وعلم الله فوق كل علم.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الكهف (الآيات نحو 32 - 46 و 60 - 82 و 83 - 99)؛ صحيح البخاري وصحيح مسلم (حديث أبي بن كعب في موسى والخضر، حياة الخضر وحديث رأس مئة سنة، نوف البكالي، حديث زينب بنت جحش في ردم يأجوج ومأجوج، حديث أبي سعيد في بعث النار)؛ صحيح مسلم (حديث النواس بن سمعان)؛ مسند أحمد وسنن الترمذي؛ تفسير ابن كثير والطبري والسعدي؛ البداية والنهاية لابن كثير.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم؛ وفيها تنبيه على: هوية ذي القرنين (خلافية لم يرد فيها نص)، وحديث «ما أدري أنبيٌّ ذو القرنين» (في ثبوته كلام)، وحديث حفر يأجوج ومأجوج للسد كل يوم (حسّنه الترمذي وأنكر ابن كثير رفعه)، وأسماء صاحب الجنتين وكنز الغلامين (إسرائيليات لا تثبت).