هذه القصة يرويها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه، في خطبة خطبها في آخر حجة حجّها، ثم رواها عنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأخرجها البخاري في صحيحه في كتاب المحاربين (باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت) وفي مواضع أخرى. وهي من أنفس ما وصلنا عن يوم السقيفة لأنها من رواية أحد الحاضرين، لا من نقل بعيد عنهم.
كلمة بلغت عمر بمنى
كان ابن عباس رضي الله عنهما يُقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فرجع إليه عبد الرحمن في منى في آخر حجة حجها عمر، وقال له: لو رأيتَ رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان، يقول: لو قد مات عمر لقد بايعتُ فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمّت. فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. ولم يسمِّ الصحيح القائل، وذكر بعض الشراح أسماءً دون جزم، ولا حاجة لتعيين ما لم تعيّنه الرواية.
وأشار عليه عبد الرحمن بن عوف أن يؤخر الكلام حتى يقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فيخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، ويقول ما قال متمكنًا فيعي أهل العلم مقالته ويضعونها مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومنّ بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجّلتُ الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلستُ حوله تمسّ ركبتي ركبتَه، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلًا قلت لسعيد: ليقولنّ العشية مقالةً لم يقلها منذ استُخلف. فأنكر عليّ وقال: ما عسيتَ أن يقول ما لم يقل قبله. وهكذا كان.
ما قاله عمر عن بيعة أبي بكر
حمد عمر الله وأثنى عليه، ثم قال في خطبته ما معناه: بلغني أن قائلًا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعتُ فلانًا، فلا يغترّنّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تُقطع الأعناق إليه مثلُ أبي بكر. ومن بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يُتابَع هو ولا الذي بايعه، تَغِرّةً أن يُقتلا. يريد: خوفًا من أن يُقتل الاثنان معًا بسبب هذا الاستعجال.
وشرح ابن حجر وغيره معنى الفلتة هنا بأنها الأمر الذي يقع فجأة من غير تدبّر طويل ولا استشارة مطوّلة؛ ومراد عمر أن بيعة أبي بكر جاءت سريعة في ساعة حرجة، ولو لم يكن أبو بكر هو أبو بكر لخيف عاقبة مثل هذا التعجّل، ولذلك نهى أن يُقاس عليها ويُتخذ ذلك سنة في أخذ الإمرة بغير مشورة المسلمين. فالكلام تحذير من الاستعجال والانفراد بالأمر، وليس طعنًا في بيعة الصديق؛ بل في الخطبة نفسها ثناؤه عليه بأنه لا يوجد مثله ممن تتجه إليه الأعناق.
ماذا حدث يوم وفاة النبي ﷺ
ثم قصّ عمر ما جرى، فقال: إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن عليًّا والزبير ومن معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وتخلّفت عنا الأنصار بأسرها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. فقلتُ لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينّهم. وذكر بعض أهل العلم، كابن حجر، أن الرجلين هما عُوَيم بن ساعدة ومَعن بن عدي رضي الله عنهما، ورواية البخاري لم تسمِّهما.
فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمَّل بين ظهرانيهم. قلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: وجِع. فلما جلسنا قليلًا تشهّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهطٌ منا، وقد دفّت دافّةٌ منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر. قال عمر: فلما سكت أردتُ أن أتكلم، وكنتُ زوّرتُ مقالةً أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رِسلك. فكرهتُ أن أغضبه. فتكلم أبو بكر، وكان هو أحلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
كلمة الصديق
قال أبو بكر: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم. وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا. قال عمر: فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أُقدَّم فتُضرَب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحبَّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر.
ارتفاع الأصوات والبيعة
ثم قال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها المحكَّك وعُذَيقها المرجَّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار. ونزَوْنا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعدًا. فقلت: قتل الله سعدًا. وعبارة عمر هنا من انفعال اللحظة، ولا يفهم منها قتلٌ حقيقي، فقد بقي سعد حيًّا بعد ذلك بسنوات، وإنما أراد أنكم كدتم تطؤونه في الزحام أو تصرفونه عن مجلسه، وقد شرح العلماء ذلك على أنه دعاء بلفظ الذم لا بلفظ التمنّي.
لماذا بادر عمر؟
ثم قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد. فهذا هو سبب الاستعجال بنص عمر نفسه: خوف الفرقة وانفتاح باب النزاع بين فريقين، وليس رغبة في سلطان. وبهذا ختم تحذيره: فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه.
ما بعد الخطبة
كانت هذه الخطبة في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ثم طُعن عمر رضي الله عنه بعدها بأيام قليلة في ذلك الشهر نفسه، فكأنها من آخر ما بلّغه الناس من وصاياه في أمر الإمامة. وقد استفاد منها العلماء قاعدتين: الأولى أن الإمامة تُعقد بمشورة أهل الحل والعقد لا باستبداد فرد، والثانية أن الضرورة الداهمة قد تبرّر الإسراع، لكن لا تُجعل أصلًا يُحتج به لكل من أراد أن يستبد.
وقد لخّص هذا المعنى القرآنُ في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
