Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الأنصار في السقيفة: من «منا أمير ومنكم أمير» إلى «نحن أنصار الله»

الأنصار وسعد بن عبادة وبشير بن سعد وزيد بن ثابت رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حين نتحدث عن يوم السقيفة يتجه الحديث غالبًا إلى أبي بكر وعمر، ويغيب موقف الأنصار رضي الله عنهم، وهم الذين آووا النبي ﷺ ونصروه. ومن الإنصاف أن نقرأ هذا اليوم من جهتهم: لماذا اجتمعوا؟ وبماذا احتجّوا؟ وكيف رجعوا؟ وفي أي شيء لانت نفوسهم؟

لماذا اجتمع الأنصار؟

بعد وفاة النبي ﷺ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وهي مكان ظليل كان يجتمع فيه الناس للمشورة، واجتماعهم ليس تمرّدًا؛ فهو خوف أن يضيع أمر المسلمين بعد فراق النبي ﷺ، وهم أهل المدينة الذين يملكون الدار والمنعة، وفيهم من الشرف والسابقة ما فيهم. ومما رواه عمر في الحديث الصحيح أنهم كانوا في السقيفة وفي وسطهم رجل مزمَّل، هو سعد بن عبادة رضي الله عنه سيد الخزرج، وكان مريضًا، فقيل: هذا سعد بن عبادة وجِع. وتكلم خطيبهم فقال إنهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، وإن المهاجرين رهط منهم، وإنه جاءهم من يريد أن يقتطعهم من أصلهم ويمنعهم الأمر.

حجة الأنصار وجواب أبي بكر

لم تكن حجة الأنصار حجة طمع، بل حجة فضل وبلاء: فقد فتحوا ديارهم ونصروا الدين بأموالهم وأنفسهم. وجاءت كلمة بعضهم: منا أمير ومنكم أمير. وفي رواية البخاري أن قائلًا من الأنصار قال: أنا جُذَيلها المحكك وعُذَيقها المرجّب، وسمّاه الشراح الحُباب بن المنذر رضي الله عنه. ومعناه أنه صاحب الرأي المجرَّب، كالجذع الذي تحتك به الإبل فيشفيها، وكالنخلة التي رُفعت عيدانها لتحميها من الرياح.

فأجابهم أبو بكر رضي الله عنه بما لا يطعن في فضلهم، بل أثبته أولًا فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل. ثم بيّن أن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لقريش، لأنهم أوسط العرب نسبًا ودارًا. وذكر الإمام أحمد في مسنده، وحسّن إسناده المحققون، أن أبا بكر قال في ذلك اليوم: ولقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكتُ وادي الأنصار. ولقد علمتَ يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبرّ الناس تبع لبرّهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقتَ، نحن الوزراء وأنتم الأمراء. فجمع أبو بكر بين إثبات فضلهم وبين بيان حكم النبي ﷺ في الإمامة.

كلمة بشير بن سعد

ومن الأنصار من كان أبعد نظرًا في تلك الساعة، وهو بشير بن سعد الخزرجي رضي الله عنه، والد النعمان بن بشير. ذكر أهل السير، كابن إسحاق والطبري، أنه قام فقال بعد كلام أبي بكر: يا معشر الأنصار، إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا وكدحنا لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضًا، فإن الله ولي المنّة علينا بذلك. ثم قال: ألا إن محمدًا ﷺ من قريش وقومه أحق به وأولى. واتقوا الله ولا تنازعوهم. وهذا النقل مشهور في كتب السيرة والتاريخ، ولا يبلغ في إسناده درجة الصحيح المتفق عليه، لكن معناه يتفق مع ما في الصحيح من ارتفاع الخلاف وإقبال الأنصار على البيعة.

ما رواه زيد بن ثابت وأنس

وجاء في مسند أحمد أن خطباء الأنصار تتابعوا يقترحون أن يكون الأمر بين أميرين، رجل من المهاجرين ورجل منهم، متذرّعين بأن النبي ﷺ كان إذا استعمل رجلًا من المهاجرين قرن معه رجلًا من الأنصار. فقام زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وإنما الإمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ﷺ. فقام أبو بكر فقال: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، وثبّت قائلكم. وقد أخرج هذا الخبر أحمد والنسائي في الكبرى والحاكم، وفي سياقه خلاف بين المحققين في درجته، فنذكره للاستئناس. والثابت في الجملة رجوع الأنصار عن طلبهم وثبوت بيعتهم، أما بعض ألفاظ كلماتهم فمرويّة بأسانيد تتفاوت.

سعد بن عبادة بعد البيعة

وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه أكثر من تأثر بما جرى، فروى أهل السير، كابن سعد في الطبقات والطبري، أنه لم يبايع أبا بكر ولا عمر بعده، وخرج إلى الشام فمات في حوران في خلافة عمر، سنة أربع عشرة أو خمس عشرة. وهذا الخبر مشهور عند المؤرخين، وقد ذكره ابن كثير وابن حجر في ترجمة سعد. وأما ما يروونه من أن سعدًا وُجد ميتًا في مغتسله وقد اخضرّ جسده، وأن الجنّ قتلته وأنها قالت بيتًا من الشعر، فهي رواية ذكرها ابن سعد وغيره ولا تصح ولا يعوّل عليها، وقد نبه العلماء على نكارتها. فلا ينبغي أن نبني عليها شيئًا.

وإنما نذكر من سعد ما ثبت في فضله: فهو من أعيان الصحابة وسيد الخزرج، وكان من النقباء الاثني عشر الذين اختارهم النبي ﷺ في بيعة العقبة، وكل ذلك لا ينقض عليه ما أخذه اجتهادًا في أمر السقيفة.

ما الذي يجمع الفريقين؟

أبرز ما في هذا الموقف أن الصحابة اختلفوا ثم اجتمعوا في ساعة واحدة، وأن الاختلاف لم يتحول إلى قتال. وأن الأنصار قبلوا حديث النبي ﷺ في أن الأئمة من قريش، فهم أول من علم أن حكم الله ورسوله فوق الحمية للقبيلة. وقد قال النبي ﷺ فيهم: لو أن الناس سلكوا واديًا وسلكت الأنصار شِعبًا لسلكتُ وادي الأنصار أو شِعب الأنصار (رواه البخاري)، وهو من كلام النبي ﷺ في فضلهم ومكانتهم الدائمة.

وقد ختم القرآن ثناءه على المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان بقوله تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فلا يليق بنا أن نقرأ اختلاف السقيفة على أنه عداوة، بل هو اجتهاد في أمر لم يكن فيه نص قاطع عندهم في أول ساعة، ثم ظهر لهم الحق فاجتمعوا عليه.

العبرة

رجع الأنصار إلى الحق حين تبيّن لهم النص، فقدّموا حديث النبي ﷺ على حميّة النسب والسبق. وكان اختلافهم اجتهادًا انتهى باجتماع الكلمة.

المصدر: صحيح البخاري (حديث عمر عن السقيفة، وحديث: لو سلك الناس واديًا... في مناقب الأنصار)؛ مسند أحمد (خبر أبي بكر وسعد بن عبادة، وخبر زيد بن ثابت)؛ سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري (كلمة بشير بن سعد)؛ طبقات ابن سعد (وفاة سعد بن عبادة)؛ سورة التوبة (آية السابقين).

الدرجة: مركّب: أصل القصة وحوار السقيفة في صحيح البخاري؛ وحديث «قريش ولاة هذا الأمر» وبيعة الأنصار في مسند أحمد وغيره بإسناد يصححه جمع؛ وكلمة بشير بن سعد مشهورة في السير دون إسناد صحيح؛ وقصة قتل الجن لسعد بن عبادة ضعيفة لا تثبت.