كانت نهاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيد رجل من الخوارج، وكان استشهاده بابًا لنهاية عصر الخلافة الراشدة وانتقال الأمر إلى معاوية بعد تنازل الحسن رضي الله عنه. ونعرض هنا ما ثبت في الصحيح وما ذكره المؤرخون.
مكانة علي في الصحيح
روى مسلم عن علي رضي الله عنه أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وروى البخاري ومسلم قول النبي ﷺ لعلي لما استخلفه في غزوة تبوك: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي. وهذا من فضائل علي المتفق عليها في الصحيح.
خطة ابن ملجم
يذكر الطبري وابن كثير أن ثلاثة من الخوارج اجتمعوا بعد النهروان وتعاهدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص: عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعلي، والبرك بن عبد الله لمعاوية، وعمرو بن بكر لعمرو بن العاص. فأما معاوية فنجا بعد جرح، وأما عمرو فكان مريضًا فلم يخرج للصلاة وقتل نائبه خارجة بن حذافة بدلًا منه، وأما علي فقتله ابن ملجم. وهذه التفاصيل مشهورة في الكتب التاريخية، ومعظمها من رواية أبي مخنف، فنذكرها على سبيل النقل لا الجزم، وأصل مقتل علي على يد ابن ملجم متفق عليه بين المؤرخين.
الضربة
اتفق المؤرخون أن ابن ملجم ضرب عليًا بالسيف في رمضان سنة 40 هـ وهو خارج لصلاة الفجر في مسجد الكوفة، واختلفوا في اليوم: فقيل ليلة السابع عشر، وقيل التاسع عشر. وتوفي علي بعد يومين تقريبًا. وذكروا أن السيف كان مسمومًا، وهذا في رواية الطبري فيها ضعف.
وصيته
يروي الطبري أن عليًا قال لبنيه حين طُعن: أطعموه واسقوه، وأحسنوا أسره، فإن عشتُ فأنا أولى بدمه عفوًا أو قصاصًا، وإن مت فاقتلوه ضربة بضربة، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وفي رواية أخرى أنه قال: لا تمثّلوا بالرجل. وهذا الخبر مما ذكره الطبري وابن كثير من طرق ضعيفة الإسناد، لكنه متسق مع ما ثبت من نهي النبي ﷺ عن المثلة، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه. ويذكر ابن كثير أنه أوصى الحسن بتقوى الله، ومما نُسب إليه أن قال لهما: كونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا. وهذه الوصية رويت في كتب التاريخ دون إسناد قوي.
ما أخبر به النبي ﷺ
وروى أحمد والحاكم والنسائي حديثًا أن النبي ﷺ قال لعلي: أشقى الناس أحيمر ثمود والذي يضربك على هذه، يعني قرنه، حتى تخضب هذه، يعني لحيته. وقد حسّن إسناد هذا الحديث بعض أهل العلم، وذكره ابن كثير وغيره من دلائل النبوة، فنقول: رُوي بأسانيد حسّنها بعضهم.
الحسن يتولى
بعد وفاة علي بايع أهل الكوفة ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما. ثم سار الحسن إلى معاوية في جيش كبير، وكان بإمكانه القتال، لكنه آثر حقن دماء المسلمين وتنازل لمعاوية. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وروى البخاري أن الحسن البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه. هذا مما رواه البخاري في كتاب الصلح.
عام الجماعة
سُمّي العام الذي اجتمعت فيه كلمة المسلمين على معاوية، وهو سنة 41 هـ، عام الجماعة. وكان ذلك تحقيقًا لما أخبر به النبي ﷺ في حديث الحسن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. وبعد هذا انتهى عهد الخلافة الراشدة، وهي الثلاثون سنة التي أشار إليها النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك، وقد صححه بعض أهل العلم.
مصير ابن ملجم
ذكر المؤرخون أن ابن ملجم أُسر وقُتل قصاصًا بعد وفاة علي، وأن الحسن هو الذي أمر بقتله. وهذه التفاصيل في الطبري وغيره من غير سند صحيح، لكن قتله قصاصًا متفق عليه بين المؤرخين.
الدرس
أيام علي والحسن تعلمنا أن حقن دماء المسلمين أعظم من المنصب، وأن الحسن بتنازله فتح الله به الصلح، وأن الاجتماع خير من الفرقة. ولا ينبغي أن يقودنا الحديث عن الفتنة إلى الطعن في الصحابة، بل نترضى عنهم جميعًا.
