الخوارج فرقة ظهرت في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن جذورها تعود إلى زمن النبي ﷺ، كما ثبت في الصحيحين. ونعرض هنا ما ثبت في خبرهم، وما رُوي في مناظرتهم والقتال معهم، وكيف تعامل معهم علي رضي الله عنه.
ذو الخويصرة
روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل. فقال: ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة. وفي رواية مسلم أنه قال: يخرجون على حين فرقة من الناس، وأنهم تقتلهم أولى الطائفتين بالحق. وكانت هذه القسمة من الذهب الذي بعثه علي من اليمن في أديم مقروظ، كما في الصحيحين. وفي الحديث أن النبي ﷺ لم يقتله رغم قوله، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
بداية الخروج
بعد صفين وقبول التحكيم، خرج من جيش علي جماعة أنكروا عليه التحكيم، وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي رضي الله عنه كلمته التي رواها مسلم: كلمة حق أريد بها باطل. وتذكر كتب التاريخ أنهم اعتزلوا في حروراء قرب الكوفة، وكان عددهم كبيرًا. فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فناظرهم، وقد رُوي هذا النقاش عند النسائي في الخصائص والحاكم في المستدرك وصححه الحاكم، ومنه أنه سألهم عن مآخذهم، وذكر أن الله جعل التحكيم في الصيد ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وبين الزوجين، فكيف لا يكون في حقن دماء الأمة؟ وقد أفردنا لها قصة سابقة. وروي أن كثيرًا منهم رجعوا بعد ذلك.
موقف علي منهم: حقوقهم
نقل بعض أهل التاريخ والفقه، ومنهم الطبري وغيره، أن عليًا رضي الله عنه قال لهم: لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا. فتعامل معهم بالعدل مع أنهم خرجوا عليه. ومن أقواله فيهم، فيما نُقل، أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، وإنما إخوان بغوا. وهي عبارة وردت بصيغ في كتب أهل السنة، وأشهرها ما في السنن الكبرى للبيهقي.
عبد الله بن خباب والنهروان
يذكر المؤرخون أن الخوارج لقوا عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنه، وهو ابن صحابي جليل، فسألوه عن عثمان وعلي، فأثنى عليهما، فذبحوه وقتلوا امرأته، وهي حامل، وفق ما جاء في الطبري وابن كثير. وهذه الرواية فيها تفاصيل مشهورة، وإسنادها مما يتكلم فيه، لكن الثابت أنهم سفكوا دماء المسلمين. فخرج إليهم علي، وقاتلهم في النهروان سنة 38 هـ.
الرجل الذي وُصف: ما رواه مسلم
وفي صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن أبي رافع أن الحرورية لما خرجت وهم مع علي، قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئًا. فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبتُ ولا كُذبت، مرتين أو ثلاثًا. ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. فهذا خبر ثابت في الصحيح، وهو من دلائل النبوة وفيه أن عليًا أولى الطائفتين بالحق.
حديث علي في الخوارج
وروى البخاري ومسلم عن سويد بن غفلة قال: قال علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرّ من السماء أحب إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة. فكان عليٌّ يقاتلهم بنص سمعه من النبي ﷺ، لا برأي محض، وهذا مما يبيّن أن قتاله لهم كان في موضعه.
رأي ابن عمر فيهم
وذكر البخاري تعليقًا في كتاب استتابة المرتدين أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. وهذه كلمة جامعة في أصل ضلالهم: أنهم حملوا نصوص الكفار على عصاة المسلمين فاستحلوا دماءهم.
حكم الخوارج عند أهل السنة
لم يكفّرهم عليّ ولا جمهور الصحابة، بل اعتبروهم بغاة متأولين، وإن حذّر النبي ﷺ منهم تحذيرًا شديدًا. ومن أبرز ما يبين خطرهم أنهم استحلوا دماء المسلمين وتركوا أهل الأوثان، كما جاء في وصف النبي ﷺ لهم: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. وهذا حديث في الصحيحين.
ثمرة هذه القصة
ينبغي للمسلم أن يحذر من العبادة بلا فقه، وأن يتعلم من الراسخين في العلم، وألا يستعجل في التكفير وقتال المسلمين. وقد أخبر النبي ﷺ أن هؤلاء يحقّر الصحابة صلاتهم مع صلاتهم، فالعبرة بالفقه والاتباع لا بكثرة العبادة وحدها.
