في حادثة الإفك اتُّهمت عائشة رضي الله عنها، وكان ممن خاض في ذلك مِسطح بن أثاثة، وهو قريب لأبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته منه ولفقره. تقول عائشة: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزوة، فتخلّفتُ لحاجتي وقد ضاع عقدي، فانصرف الجيش ولم يشعروا بتخلفي، وجاء صفوان بن المعطّل السُّلمي فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه، فخمّرتُ وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه. فأناخ راحلته فركبتُ، وقادني حتى أتينا الجيش. فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولّى كِبره عبد الله بن أبي ابن سلول. ثم مرضتُ شهرًا والناس يُفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك. فلما علمتُ استأذنتُ النبي ﷺ أن آتي أبويّ، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. تقول: فبكيتُ يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيتُ ليلتي المقبلة، وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، دخل علينا رسول الله ﷺ فجلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل. فتشهد ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه». فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي عني. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلتُ: إني والله لقد علمتُ أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلتُ لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقنّني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾. فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه، فسُرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله فقد برّأك». فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فهو الذي أنزل براءتي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ العشر الآيات. فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فقال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي. فرجّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.
‹ الخلفاء الراشدون
الخلفاء الراشدونموثّق
والله إني أحب أن يغفر الله لي: أبو بكر ومِسطح
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
العبرة
العفو عمن أساء إلينا طريق لمغفرة الله، وقد قدّم الصديق محبة المغفرة على حظ نفسه حين تأذى أشد الأذى.
المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب حديث الإفك (من حديث عائشة)؛ وصحيح مسلم: كتاب التوبة، باب في حديث الإفك
الدرجة: صحيح — متفق عليه
