Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٦ دقائق

لولا حدثان قومك بالكفر: ما تركته قريش من قواعد الكعبة وما صنعه ابن الزبير والحجاج

الكعبة المشرفة وقريش وعبد الله بن الزبير

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

تبدأ هذه القصة من سؤال سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لرسول الله ﷺ عن الحِجر، وهو الحائط المقوّس القريب من الكعبة: أهو من البيت؟ فقال ﷺ: «نعم». قالت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: «إن قومك قصّرت بهم النفقة». ومن هذا الجواب تنفتح حكاية عمارة الكعبة بعد إبراهيم عليه السلام، وما اقتطعته قريش منها، وما كاد يردّه النبي ﷺ، وما فعله بعده الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير، ثم ما كان من الحجاج بن يوسف.

— قريش تعيد بناء البيت — ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير أن قريشًا أرادت تجديد بناء الكعبة قبل البعثة بنحو خمس سنين، وكان النبي ﷺ يومئذ شابًّا في الخامسة والثلاثين. وكان البناء القديم رَضْمًا من الحجارة بلا مدَر فوق قامة الرجل، وأصابه تصدّع بسبب السيول، وذُكر أن لصوصًا سرقوا ما في جوفه من مال. وأعانهم على الأخشاب سفينة ألقاها البحر عند الشعيبة، وكان فيها نجّار رومي يسمّى باقوم. هذه التفاصيل مرويّة في كتب السيرة عن ابن إسحاق ولا تبلغ في إسنادها شرط الصحيح، وهي مشهورة عند المؤرخين، ولا يتوقف على صحتها فهم الخبر.

وخافت قريش من هدم البيت، فبدأ الوليد بن المغيرة فأخذ المعول وقال: اللهم لم نُزِغ، اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم من ناحية الركنين، فانتظر الناس تلك الليلة وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منه شيئًا وردَدناه كما كان، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا. فلما أصبح الوليد عاد إلى عمله، فهدموا معه حتى بلغوا الأساس الذي وضعه إبراهيم عليه السلام. وفي رواية ابن إسحاق أنهم وجدوا حجارة خضراء كأسنمة الإبل متلاصقًا بعضها ببعض. وذكر أنهم شرطوا ألا يُدخلوا في بنائه إلا مالًا طيّبًا، فلا مهر بغيّ، ولا ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.

— الإزار الذي كاد يُكشف — وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان ينقل الحجارة مع قومه وعمّه العباس، فقال له العباس: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري»، فشدّ عليه إزاره. وفي رواية أنه لم يُرَ بعد ذلك عريانًا ﷺ. وهذا من حفظ الله لنبيّه قبل النبوة.

— ما اقتطعوه من البيت — نفدت النفقة الحلال التي جمعتها قريش قبل أن يتموا البناء على قواعد إبراهيم، فأخرجوا من البيت قدر ستة أذرع أو نحوها وهو الحِجر، وأحاطوه بحائط قصير، وجعلوا باب الكعبة مرتفعًا عن الأرض، كما سيصف النبي ﷺ ذلك. وقال ﷺ في حديث عائشة المتفق عليه: «ألم تري أن قومك لما بنَوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟» فقالت: يا رسول الله، ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا حِدثان قومك بالكفر لفعلت». وفي رواية للبخاري أنه قال: «لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أُدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض».

وفي رواية أخرى عند مسلم أنه ﷺ قال لها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمتُ الكعبة، فألزقتُها بالأرض، وجعلتُ لها بابين: بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة». وسأل عن الباب المرتفع: «فعل ذلك قومك ليُدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا».

— فقه المسألة: ترك المصلحة لدرء الفتنة — استنبط العلماء من هذا الحديث قاعدة عظيمة، قال النووي رحمه الله في شرح مسلم ما معناه: إن ترك بعض المصالح خوفَ وقوع مفسدة أعظم منها جائز، وإن الإمام يراعي أحوال رعيته وحداثة عهدهم بالإسلام، ويتألّف قلوبهم. فقد كان هدم الكعبة وإعادتها على غير ما ألفته العرب أمرًا قد يُفتَتن به من لم يتمكن الإيمان من قلبه، وقد كانت قريش تعظّم البيت تعظيمًا شديدًا. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ، ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجر إلا أن البيت لم يُتمَّ على قواعد إبراهيم». رواه البخاري، أي أن الركنين الشاميين ليسا على أساس إبراهيم، فلذلك لا يُستلمان.

— ابن الزبير يبني الكعبة على ما أراد النبي ﷺ — مرّت السنون حتى كانت وقعة الحرّة وحصار مكة بقيادة الحصين بن نمير سنة أربع وستين، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قد لجأ إلى الحرم، فاحترقت الكعبة أو تصدّعت جدرانها من حجارة المنجنيق ومن النار، كما ذكر المؤرخون، وهو ثابت في صحيح مسلم في الجملة. فاستشار ابن الزبير الناس، فأشار عليه ابن عباس رضي الله عنهما أن يُصلح ما وهى ويترك البيت على ما أسلم الناس عليه وأحجارًا أسلم عليها الناس وبُعث عليها النبي ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجدّه، فكيف بيت ربكم؟ ثم قال: إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري.

ثم هدم الكعبة وبناها على ما سمعه من خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ، فجعل لها بابين موضوعين في الأرض، وأدخل فيها من الحِجر ما خرج عن القواعد. فكان ذلك مدةَ ولايته على الحجاز، وهي نحو تسع سنين.

— الحجاج وعبد الملك: ندم لا ينفع — ولما قُتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين على يد الحجاج، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في البيت ما ليس منه، فأمره عبد الملك أن يردّه إلى ما كان عليه في عهد قريش، فهدم الحجاج الجدار الشمالي ونحو ستة أذرع من الحِجر، وأعاده على أساس قريش، وسدّ الباب الغربي. وهذا هو البناء الذي بقي عليه البيت بعد ذلك في أصله.

وفي صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وفد على عبد الملك فحدّثه بحديث عائشة، فقال عبد الملك: «لو كنت سمعتُ هذا قبل أن أهدمه لتركتُه على ما بنى ابن الزبير». فعرف الأمويون في آخر الأمر ما أراده النبي ﷺ، لكن البناء قد مضى.

— لا تجعلوه ملعبة للملوك — ويروي النووي وغيره أن بعض خلفاء بني العباس، كالمهدي أو الرشيد، أرادوا هدم الكعبة وإعادتها على بناء ابن الزبير، فاستشاروا الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقال: «أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس». فتركوا ذلك. وهذه الحكاية مشهورة في كتب شروح الحديث وكتب الفقه، وليست من الصحيح المرفوع، ولكنها تدل على فقه ظاهر.

— ما نخرج به — نخرج من الخبر بأن البيت الحرام لم يُترك لهوى أحد، وأن النبي ﷺ كان أحرص الناس على رد البيت إلى أساس أبيه إبراهيم عليه السلام، لكنه راعى مصلحة الدعوة ومشاعر قوم حديثي عهد بالإسلام. وفيه أن الصحابة أخذوا ما سمعوه من النبي ﷺ وعملوا به حين زالت الموانع، وأن العلماء يوازنون بين المصالح والمفاسد، وأن الندم على الاستعجال في الأحكام يأتي بعد فوات الأوان. وفيه أن الحِجر المحاط بالحائط اليوم من البيت، ولذلك لا يصح الطواف داخله، بل يطوف الحاج من ورائه.

العبرة

ترك المصلحة لدرء مفسدة أعظم منها من فقه الأنبياء؛ والتأني في تغيير ما ألفه الناس من معالم الدين دليل الحكمة.

المصدر: صحيح البخاري وصحيح مسلم (حديث عائشة رضي الله عنها في الحِجر وقواعد إبراهيم، وحديث جابر في الإزار)؛ سيرة ابن إسحاق في بناء قريش؛ شرح النووي على مسلم (كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها)؛ البداية والنهاية لابن كثير.

الدرجة: أصل الخبر ثابت في الصحيحين (حديث عائشة وحديث جابر وهدم الحجاج وندم عبد الملك في مسلم)؛ وتفاصيل بناء قريش (السفينة والنجار باقوم والحجارة الخضراء) من رواية ابن إسحاق في السيرة وليست من الصحيح؛ وحكاية الإمام مالك مع الخليفة مشهورة في شروح الحديث دون إسناد صحيح مرفوع.