يذكر القرآن الكريم بناء الكعبة في مواضع من سورة البقرة والحج وآل عمران، ويذكر الحديث الصحيح خبره بتفصيل أكبر في حديث ابن عباس الطويل عند البخاري. وهذه القصة تجمع ما ثبت في ذلك، وتميّزه عمّا اشتهر في كتب القصص دون دليل.
— أول بيت وُضع للناس — قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾. وسأل أبو ذر رضي الله عنه النبي ﷺ: أيّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». متفق عليه. فالنص يدل على أن الكعبة أول بيت عبادة وُضع للناس، لا أول بيت سكنى.
وقد أشار غير واحد من المحققين، ومنهم ابن كثير رحمه الله، إلى أن ما يُروى عن بناء آدم عليه السلام أو الملائكة للبيت قبل إبراهيم عليه السلام لا يثبت فيه خبر صحيح عن المعصوم، وأكثره مما يُروى عن أهل الكتاب أو بأسانيد ضعيفة. فلا نجزم به، ونقتصر على ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة.
— مكان البيت وأمر الله لإبراهيم — قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. ومعنى ﴿بَوَّأْنَا﴾ أي هيّأنا له مكان البيت وأرشدناه إليه، كما قال المفسرون كالطبري وابن كثير. فكان أول ما أُمر به أن يكون البيت خالصًا للتوحيد، وأن يُطهَّر من الشرك ومن كل ما يُنافي حرمته، لمن يطوف ولمن يقوم ويركع ويسجد.
— حديث ابن عباس عند البخاري — روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما حديثًا طويلًا في شأن هاجر وإسماعيل وزمزم، ثم قال في آخره: إن إبراهيم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دَوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وبذلك تكون العبادة فيه من أول وضعه: عمل بيد الأب والابن، ودعاء بالقبول.
— دعاء البانيين — القواعد جمع قاعدة، وهي الأساس، كما فسّرها المفسرون. ولم يكتف الأب والابن بالبناء، بل قالا ما قالا خشية ألا يُقبل العمل، قال ابن كثير: «أي يقولان ذلك وهما في عمل صالح وطاعة عظيمة، وهما مع ذلك يسألان الله القبول». ثم قالا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فكان البناء مقرونًا بسؤال الثبات على الإسلام، وطلب أن يعلّمهما الله مناسك الحج، وطلب التوبة.
ومنه دعاؤه في آية أخرى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، وقد ذكر المفسرون أن هذا الدعاء كان عند إسكان هاجر وإسماعيل، وأن دعاءً آخر كان عند بناء البيت، وأن الأمن والرزق كانا من أول ما سأله لأهل هذا الوادي. وفي سورة البقرة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
— الأذان بالحج — بعد تمام البناء أُمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذّن في الناس بالحج: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الطبري وغيره أن إبراهيم قال: يا رب كيف أبلّغ الناس وصوتي لا ينفذ إليهم؟ فقال: أذّن وعلينا البلاغ. وأنه صعد على المقام أو على جبل أبي قبيس فنادى. وهذا الأثر مشهور في كتب التفسير، وإسناده لا يبلغ درجة الصحيح المرفوع إلى النبي ﷺ، وإنما هو من تفسير السلف، ومعناه أن الله تكفّل بإبلاغ النداء إلى من شاء. والواقع الذي نشاهده كل عام من أفواج الحجيج يشهد لتحقق الوعد: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ﴾، أي ماشين وراكبين على إبل ضامرة هزلتها الأسفار.
— ما لا نجزم به من أخبار البناء — لا نذكر ما تفرّق من كلام الناس في تفاصيل بناء الكعبة، كطول الجدران وعدد الأذرع بأرقام جازمة، فإن الثابت أن بناءها بقي على أساس إبراهيم زمنًا طويلًا، ثم أصابه ما أصابه من السيول وتصدّع الحجارة، فجددته جرهم ثم قريش، كما ذكر ابن إسحاق وابن كثير. وأما أخبار العمالقة وجرهم في العناية بالبيت فمأخوذة من كتب الأخبار، والمسلم لا يُلزم بتفصيلاتها.
— العبرة في البيت والمقام — المقام الذي وقف عليه إبراهيم عليه السلام محفوظ إلى اليوم، وقد جاء في بعض الآثار أن أنسًا رضي الله عنه رأى في المقام أثر عقبه وأصابعه، وأنه ذهب بكثرة المسح، ولا يُبنى على ذلك حكم شرعي. والثابت من الأحكام أن الطائف يصلي ركعتين خلف المقام، فقد فعل ذلك النبي ﷺ كما في حديث جابر في صحيح مسلم، وتلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقد جعل الله هذا البيت قيامًا للناس، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾، فهو معلَم يجتمع عنده المسلمون على اختلاف ألسنتهم وبلدانهم، يتجهون إليه في صلاتهم وإليه يحجون. وذلك أثر من آثار دعوة إبراهيم: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.
فمن تأمل البداية رأى أنها لم تكن مشروعًا ضخمًا ولا مالًا كثيرًا، بل نبي وولده في وادٍ غير ذي زرع، يحمل الابن الحجارة ويبني الأب، ويدعوان بالقبول. وكان في ذلك الإخلاص سرّ البقاء، فبقي ذكرهما إلى يوم الدين.
