الربا من أعظم الأدواء الاقتصادية، وقد جاء تحريمه في القرآن على مراحل، وكان من آخر ما نزل من القرآن. وفي هذه القصة نتتبع مراحل تحريمه، وما صح في آخر الآيات نزولًا، وما كان من النبي ﷺ فيه في حجة الوداع، مع بيان الدرجات.
— الربا في الجاهلية — كانت العرب في الجاهلية تتعامل بالربا، فكان الدائن إذا حلّ الأجل قال للمدين: أتقضي أم تُربي؟ فإن لم يقضِ زاد الدين وزاد الأجل. ذكر ذلك ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وكان مال الربا يتضاعف، وربما أفقر المدين وأهلك أسرته. وكانت ثقيف وغيرها تتعامل بالربا مع قريش وغيرها، وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه من الذين لهم ربا في الجاهلية.
— المرحلة الأولى: التنبيه — قال الله تعالى في سورة الروم، وهي مكية: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. وقد اختلف المفسرون في المراد بالربا هنا: فقال بعضهم إنه عطية يُراد بها استرداد أكثر منها، وقال آخرون إنه الربا المحرّم. وفي الآية على كل حال تقرير أن الله لا يبارك في ما يُزاد على حساب الناس.
— المرحلة الثانية: ذمّ فعل اليهود — ذكر القرآن أن اليهود حُرّم عليهم الربا وأخذوه، فقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. وفي هذا تمهيد للمسلمين، فهم يعرفون أن الربا مما ذمّه الله على غيرهم.
— المرحلة الثالثة: النهي عن الربا المضاعف — وفي سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال بعض أهل العلم إن ذكر الأضعاف المضاعفة وصف لحال الجاهلية، لا قيد للحكم، ولهذا حُرّم قليله وكثيره بما جاء بعد.
— المرحلة الرابعة: التحريم القاطع — وفي آيات سورة البقرة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: يُبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق، ذكره ابن كثير. وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
وذكر الطبري وابن كثير في سبب نزول هذه الآيات أن ثقيفًا كانت لها أموال ربوية على بني المغيرة، فلما جاء الإسلام أرادوا أخذها، فقالت بنو المغيرة: لا نعطي الربا في الإسلام، فكتب أمير مكة عتاب بن أسيد إلى النبي ﷺ فنزلت الآية. وهذا رُوي بأسانيد مرسلة عن عدد من التابعين، ولا يبلغ شرط الصحيح، وفيه معنى صحيح: أن الإسلام أبطل ما بقي من الربا القديم ولم يُبقِ إلا رأس المال.
ثم جاء الرفق بالمعسر: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وختمت الآيات بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
— آخر ما نزل — روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأهنّ رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرّم التجارة في الخمر». وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: «آخر آية نزلت آية الربا». وروى ابن ماجه وأحمد أن عمر رضي الله عنه قال: «إن من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قُبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة». وقد صححه بعض أهل العلم، وفي إسناده كلام. ومعنى «الريبة» أي ما يُشك فيه أنه ربا، فيترك المسلم ما يُريبه إلى ما لا يريبه.
— إبطال الربا في حجة الوداع — وفي خطبة حجة الوداع، قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن جابر: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعُ ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله». وفي هذا أن النبي ﷺ بدأ بوضع الربا الذي لعمّه، وقدّم قدوته في تطبيق الحكم على أهل بيته. وبقي رأس المال حقًّا لأصحابه كما في الآية.
— الوعيد والأحاديث — قال النبي ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «أكل الربا». متفق عليه. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء». رواه مسلم. وفي حديث سمرة بن جندب عند البخاري في رؤيا النبي ﷺ أنه رأى رجلًا في نهر من دم، كلما أراد الخروج رُمي بحجر في فيه، وأخبر أنه آكل الربا. وروى ابن ماجه وأحمد عن ابن مسعود: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة»، وصححه جماعة.
— تنظيم المعاملات: الربا في الأصناف — قال النبي ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد». رواه مسلم عن عبادة بن الصامت. وهو أصل أحكام ربا الفضل وربا النسيئة. وفي قصة بلال في الصحيح أنه جاء النبي ﷺ بتمر جيد وأخبره أنه اشتراه بصاعين من تمر رديء، فقال له النبي ﷺ: «أوّه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره».
— لماذا حرّم الله الربا؟ — ذكر العلماء حكمًا كثيرة منها: أن الربا ظلم للمحتاج واستغلال لحاجته، وأنه يعطّل العمل والتجارة بربح مضمون، ويوقع العداوة والفقر بين الناس، ويُفسد الأخلاق بقسوة الدائن. وقد وصفه الله بأنه حرب لله ورسوله. وقد أخبر الله تعالى أنه يمحق الربا. هذا ما يقوله العلماء في الحكمة، لكن الأصل أن المسلم يمتثل أمر الله تعالى سواء ظهرت له حكمته أم لم تظهر.
— العبرة — أن التشريع في الربا جاء متدرجًا، وانتهى بإبطاله كليًّا، وبدأ النبي ﷺ بأهل بيته، وأن مراقبة الله في المال أساس البركة، وأن المسلم يترك الريبة.
