الصلاة عماد الدين، ولم يُسقط الإسلام وجوبها حتى في ساحة القتال، بل شرع لها صفة خاصة هي صلاة الخوف. وقد نزل القرآن في بيانها، وصلاها النبي ﷺ بصور متعددة. وفي هذه القصة نجمع ما صح من ذلك، وسبب نزول الآية، وما نستفيده من هذه الصور.
— أول إشارة في القرآن — قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر الله بالمحافظة على الصلاة، ثم رخّص للخائف أن يصلي ماشيًا أو راكبًا. قال ابن عمر رضي الله عنهما في صلاة الخوف: «فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها». رواه البخاري.
— آية النساء وسبب نزولها — وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
وسبب النزول ما رواه أبو داود والنسائي وأحمد عن أبي عياش الزرقي رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون وعليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم. قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: فحضرت العصر فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، وصفّنا خلفه صفين. والحديث صححه الألباني وغيره، وفي بعض ألفاظه اختلاف.
وفيه أن العدو كان بين المسلمين والقبلة، وأن خالدًا كان يومئذ على الكفر، وقد أسلم قبل الفتح. والمراد أن الآية جاءت لتحفظ المسلمين من الغرة وتحفظ الصلاة.
— الصورة الأولى: صلاة عسفان — روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفّنا صفين، صف خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبّر النبي ﷺ وكبّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدّم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلّم النبي ﷺ وسلّمنا جميعًا.
وهذه الصورة تصلح إذا كان العدو في جهة القبلة والمسلمون كثيرون يمكنهم أن يُقيموا صفين، فيظل الجميع يرى العدو.
— الصورة الثانية: ذات الرقاع — روى البخاري ومسلم عن صالح بن خوّات عمن شهد رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفّت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلّم بهم.
وقد اختلف أهل السير في وقت غزوة ذات الرقاع، فجعلها ابن إسحاق في السنة الرابعة، وذهب البخاري إلى أنها بعد خيبر لأن أبا موسى الأشعري شهدها. وسُمّيت بذلك لأن الصحابة لفّوا على أقدامهم الخرق لما نقبت من الحفاء، كما قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في الصحيحين: «خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا فلفّفنا على أرجلنا الخرق، فسُمّيت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا». وهذه من الفوائد التي يرويها الصحابة عن مشقة الجهاد.
— الصورة الثالثة: ركعة لكل طائفة — وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجد، فوازينا العدو فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلّ، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.
— الصورة الرابعة: ركعة واحدة — وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». وقد اختلف العلماء في فهم هذا الحديث: فقال بعضهم إن المراد ركعة مع الإمام ثم تتم كل طائفة لنفسها، وقال آخرون إن فيه جواز الاقتصار على ركعة عند شدة الخوف.
— كثرة الصور وفقهها — قال الإمام أحمد رحمه الله ما معناه: إنه ثبتت صلاة الخوف عن النبي ﷺ من ستة أو سبعة أوجه، وكلها جائزة، وإنه يختار حديث سهل بن أبي حثمة. وقد ذكر ابن حجر وابن القيم أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف في مواضع متعددة وعلى أحوال مختلفة، وأن الصحابة عملوا بها بعده. ومنها ما يتفق مع حال العدو واتجاهه ومساحة الميدان.
وقال العلماء إن في هذه الصورة المتعددة سعة وتيسيرًا، وإن الإمام يختار منها ما يناسب الحال. وهذه من مسائل الفقه التي تُراعى فيها الأدلة الثابتة دون تضييق.
— وماذا عن صلاة العصر يوم الخندق؟ — ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ أخّر العصر يوم الخندق حتى غابت الشمس، ثم صلاها بعد المغرب، كما رواه جابر وعلي رضي الله عنهما. ولعل ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف كما قال بعض العلماء، وقال بعضهم إن التأخير حصل لشدة القتال. وفي تلك الحادثة قال النبي ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا». رواه البخاري ومسلم.
— العبرة — أن الصلاة لا تسقط حتى في ميدان الحرب، وأن الشرع شرع للمسلمين ما يحفظ عليهم الصلاة وأمنهم معًا، فلم يطلب منهم ترك الأخذ بالحذر ولا ترك الصلاة. وفي قوله ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ إشارة إلى الجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب.
