حصار بني قريظة وطلب المشورة
بعد أن انصرف الأحزاب عن المدينة في غزوة الخندق، وضع النبي ﷺ سلاحه، فجاءه جبريل عليه السلام يأمره بالمسير إلى بني قريظة، فهم الذين نقضوا العهد وظاهروا الأحزاب على المسلمين. وحاصرهم النبي ﷺ، وذكر ابن إسحاق في السيرة أن الحصار استمر خمسًا وعشرين ليلة، حتى اشتد عليهم وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وكان بنو قريظة حلفاء للأوس في الجاهلية، فلما ضاق بهم الأمر طلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر، وهو من بني عمرو بن عوف من الأوس، لأنه كان حليفهم القديم، وكان لهم عنده مودة، وكان له في أرضهم مال وأهل وولد. فأرسله النبي ﷺ إليهم ليستشيروه في النزول على حكم رسول الله ﷺ.
الإشارة التي ندم عليها
ذكر ابن إسحاق أن الرجال لما رأوا أبا لبابة قاموا إليه، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم قلبه. وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، يريد أنه الذبح.
وكان هذا إفشاءً لما لم يؤذن له بإفشائه، فقد كان ما عُزم عليه في شأنهم من سرّ الحرب. قال أبو لبابة نفسه فيما رواه ابن إسحاق: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.
لم تكن خيانة بالمعنى الذي يخرج صاحبها من الملة، فهو من خيار الصحابة وممن شهد العقبة وبدرًا، لكنها زلة في أمانة المشورة والسر العسكري، وقعت بدافع الرحمة والقرابة والحلف القديم، ثم أيقظه الله عليها في الحال.
يربط نفسه بسارية المسجد
لم يرجع أبو لبابة إلى النبي ﷺ، بل انطلق على وجهه حتى دخل المسجد النبوي، فربط نفسه بسارية من سواريه، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ مما صنعت، وعاهدت الله ألا أطأ بني قريظة أبدًا، ولا أُرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا. هذا ما رواه ابن إسحاق، ورواه ابن جرير الطبري في التفسير عن غيره من أهل العلم بالمغازي بألفاظ متقاربة.
فلما بلغ النبي ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال: «أما لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه». ولم يكن هذا قسوة من النبي ﷺ، بل هو إقرار لأبي لبابة على ما اختاره لنفسه من تأديب، وانتظارٌ لحكم الله فيه، إذ لا يملك النبي ﷺ أن يقضي في توبة العبد دون الله.
ما رُوي في مدة مكثه
ذكر ابن إسحاق أنه أقام مرتبطًا ست ليالٍ، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيربط نفسه. وفي بعض الروايات التي نقلها المفسرون أن المدة كانت أطول، وفي بعضها أن ابنته هي التي كانت تحله. واختلاف هذه التفاصيل لا يؤثر في أصل القصة، فنكتفي بما اتفقت عليه الروايات: أنه ربط نفسه وبقي حتى جاءت البشارة.
البشارة من بيت أم سلمة
روى ابن إسحاق وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان في بيتها في وقت السحر، فسمعته يضحك، فقالت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنّك؟ قال: «تيب على أبي لبابة». قالت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: «بلى إن شئتِ». فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يُضرب الحجاب على نساء النبي ﷺ، فقالت: يا أبا لبابة أبشر، فقد تاب الله عليك.
فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مرّ عليه النبي ﷺ خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه بيده الشريفة.
ما ختم به توبته
ثم قال أبو لبابة للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله. فقال له النبي ﷺ: «يجزئك الثلث يا أبا لبابة فتصدق به». فتصدق بالثلث. هكذا في سيرة ابن إسحاق.
وهذا يشبه ما ثبت في الصحيحين في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين أراد أن ينخلع من ماله فقال له النبي ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». فالتوبة الصادقة تدفع صاحبها إلى مزيد من القرب والبذل، والشريعة ترفق به فلا تدعه يُفقر نفسه.
ما نزل في القصة من القرآن
ذكر عدد من المفسرين، ومنهم ابن جرير وابن كثير، أن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نزل في شأن أبي لبابة. وينبغي التنبيه إلى أن سورة الأنفال نزل معظمها بعد بدر، وقصة بني قريظة وقعت بعدها بنحو ثلاث سنين، فلذلك استبعد بعض أهل العلم هذا السبب، وقالوا إن الآية إن صح نزولها في أبي لبابة فقد أُلحقت بالسورة في موضعها بعد نزولها، والأمر على كل حال لا يغيّر المعنى: فالآية عامة في كل من يخون الأمانة، وقد ضُرب فيها المثل بأبي لبابة. فيُروى هذا السبب ولا يُجزم به.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقد روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في أبي لبابة وجماعة ممن تخلفوا عن غزوة تبوك فربطوا أنفسهم بالسواري، ثم نزلت الآية بعدها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. وهذه رواية أخرى لربط أبي لبابة نفسه مرة بعد تبوك، وقد ذكر ابن كثير أن الآية عامة لكل من أذنب واعترف وتاب، وإن كان سبب نزولها في هؤلاء. فللعلماء قولان في الواقعة التي ارتبط فيها: بعد قريظة، أو بعد تبوك، ولا يبعد أن يكون وقع منه الأمران، والله أعلم.
ما ذكره أهل أخبار المدينة
ذكر أهل أخبار المدينة، ومنهم السمهودي في «وفاء الوفا»، أن في المسجد النبوي أسطوانة تُعرف بأسطوانة التوبة أو أسطوانة أبي لبابة، يُقال إنها السارية التي ربط نفسه بها. وهذا من أخبار المدينة المتداولة، ولا يُبنى عليه حكم شرعي.
العبرة
ما أجمل أن يتنبه المؤمن لزلته في اللحظة نفسها! لم ينتظر أبو لبابة أن يعاتبه أحد، وإنما بادر إلى الاعتراف والتكفير. وهو يعلّمنا أن الأمانة ليست في المال وحده، بل في السر والكلمة والإشارة، وأن الرحمة بالقوم لا تبرر خيانة الجماعة. ويعلّمنا أيضًا أن الله يقبل التوبة، وأن النبي ﷺ يفرح لتوبة أصحابه حتى يضحك في سحره ويبشّر بها أهل بيته.
