Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

حاطب بن أبي بلتعة: الكتاب إلى قريش وآية الممتحنة وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر

حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

سرّ الجيش

كان النبي ﷺ حين عزم على فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة قد أخفى وجهة الجيش، ودعا الله أن يعمّي الأخبار على قريش حتى يدخلها بغتة، حقنًا للدماء وحرمةً للبلد الحرام. وهذه القصة ثابتة في الصحيحين، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد جاء بها البخاري في أكثر من موضع، منها كتاب المغازي، وكتاب الجهاد، وتفسير سورة الممتحنة، ورواها مسلم في فضائل الصحابة.

المرأة والكتاب

قال علي رضي الله عنه: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، أي من ضفائر شعرها. وفي رواية أخرى في البخاري أنها أخرجته من حجزتها، أي من موضع شد الإزار، ولا تعارض بين الروايتين، فقد يكون ذلك من اختلاف الرواة في وصف موضع الإخفاء.

فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ.

المواجهة

فقال النبي ﷺ: «يا حاطب، ما هذا؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.

فقال النبي ﷺ: «لقد صدقكم». أي إنه صادق في تعليله، وقد قبل منه رسول الله ﷺ عذره.

فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. هذا كله في صحيح البخاري.

ما يستفاد من فعل عمر

لا يُعدّ كلام عمر رضي الله عنه تهورًا، فقد رأى أمرًا يمسّ أمن الأمة وسرّ جيشها، وظنّ أن هذا نفاق، وهو الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم. لكن النبي ﷺ علم من حال حاطب ما لم يعلمه عمر، وقبل عذره، وذكّر بمكانة أهل بدر. وفي ذلك درس في التثبت قبل الحكم على النوايا، وأن الحكم بالظاهر وعلى مقدار علم الحاكم.

عتاب القرآن

جاء في صحيح البخاري في تفسير سورة الممتحنة أن الآية نزلت في هذه الحادثة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾. وقد وقع في رواية البخاري عن سفيان بن عيينة قوله: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو، يعني عمرو بن دينار، فلم يجزم سفيان هل ذكر نزول الآية من أصل الحديث أو هو من كلام أحد الرواة. ومع ذلك فقد اشتهر عند المفسرين أن صدر السورة نزل في قصة حاطب، وذكره ابن كثير في تفسيره.

وتأمل في الآية: خاطبهم الله بوصف الإيمان ولم يخرج حاطبًا منه، فناداه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مع النهي عن موالاة الأعداء. فالعتاب هنا عتاب على فعل لا طرد من الإيمان.

وفي آيات السورة بعد ذلك ذكر لإبراهيم عليه السلام ومن معه أسوةً في البراءة من الشرك وأهله، وفي الآية السابعة رجاءٌ من الله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾، وقد تحقق ذلك لما أسلم أهل مكة في فتحها. وكانت قرابات المهاجرين هناك التي خاف عليها حاطب هي ذاتها التي أحاط بها عفو النبي ﷺ يوم الفتح.

ما استنبطه العلماء

ذكر الإمام الشافعي رحمه الله في هذه القصة أن المسلم إذا كاتب المشركين بأمر يضرّ المسلمين وكان متأولًا غير راضٍ بالكفر لم يصر بذلك كافرًا، وأن الإمام يجتهد في عقوبته، وذكر هذا ابن حجر في «فتح الباري» وغيره في شرح الحديث. وفرّق العلماء بين الجاسوس المعاهد والجاسوس المسلم، وهذه مسائل فقهية لا نخوض في تفصيلها هنا.

وقد بقي حاطب بعد ذلك في مكانته، ولم يُعرف عنه إلا خير. وهو من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة. وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه أن عبدًا لحاطب جاء يشكو حاطبًا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ليدخلنّ حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: «كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية». وهذا شاهد على ثبات منزلته عند النبي ﷺ وأنه ما زال على ما بشّر به.

العبرة

قد يزلّ الصالح، حتى من خيار أهل الفضل، لكن الله لا ينسى سابقته وصدقه. وقد جاء العتاب في القرآن لتربية الأمة على أن الولاء لله ورسوله فوق القرابة والمال والخوف على الأهل، وجاء العفو لتبقى باب الرحمة مفتوحًا. وفي الحديث تعليم لولاة الأمر أن يستمعوا إلى المخطئ ويقبلوا عذره الصادق، وأن يزنوا الأحكام بالسوابق كما فعل النبي ﷺ.

العبرة

عتاب الله لحاطب لم يُخرجه من الإيمان، والعفو عنه لسابقته في بدر. ولا يُحكم بالنفاق على المسلم قبل سماع عذره، والولاء لله ورسوله مقدّم على الخوف على الأهل والمال.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي (باب فضل من شهد بدرًا)، وكتاب الجهاد (باب الجاسوس)، وتفسير سورة الممتحنة؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة (باب فضائل أهل بدر وحاطب)؛ تفسير ابن كثير (سورة الممتحنة الآيات 1-7)؛ فتح الباري لابن حجر (شرح الحديث).

الدرجة: متفق على أصل القصة في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي مسلم من حديث جابر في عبد حاطب؛ وسبب نزول صدر الممتحنة في حاطب مشهور عند المفسرين ومروي في صحيح البخاري مع تنبيه سفيان بن عيينة أنه لا يدري هل هو من الحديث أو من كلام الراوي؛ وما ذكرناه عن الشافعي من استنباطه منقول عنه في كتب الشروح.