Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

خالد بن سعيد بن العاص وأخوه أبان: ثبات في وجه الأب وتوبة بعد بدر

خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

بيت أبي أُحيحة

كان سعيد بن العاص بن أمية، المكنّى أبا أُحيحة، من سادة قريش وأثريائها، وأولاده من أعيان مكة: خالد وأبان وعمرو والعاص وغيرهم. وكان من أولاده السابقون إلى الإسلام، وكان منهم من بقي على الشرك فقاتل المسلمين. وفي هذا البيت ذكر المؤرخون صورتين متقابلتين: ثبات خالد على الإسلام تحت أذى أبيه، وتوبة أبان بعد حرب المسلمين.

إسلام خالد

ذكر ابن سعد وابن عبد البر وابن حجر أن خالد بن سعيد بن العاص من السابقين الأولين، قيل أسلم بعد أبي بكر الصديق، وقيل كان رابعًا أو خامسًا في الإسلام، وأنه رأى في المنام أنه واقف على شفير النار، وأن أباه يدفعه فيها، ورأى النبي ﷺ يمسك بحُجزته لئلا يقع، ففزع وقال: أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق. فلقي أبا بكر فذكرها له، فقال: أريد بك خير، هذا رسول الله فاتبعه فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام الذي يحجزك أن تقع في النار، وأبوك واقع فيها. وهذه الرواية ذكرها ابن سعد في الطبقات بإسناد ضعيف، فنرويها على سبيل الاعتبار.

فلقي خالد رسول الله ﷺ بأجياد فقال: إلام تدعو يا محمد؟ قال: «أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده». قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فسرّ رسول الله ﷺ بإسلامه.

غضب الأب

ويذكر ابن سعد أن أبا أحيحة لما علم بإسلام ابنه خالد ثارت ثائرته، فأرسل في طلبه، فأتي به، فجعل يوبخه ويضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه. ثم قال: أتتبع محمدًا وأنت ترى خلافه قومه وعيبه آلهتهم وما جاء به من تضليل آبائهم؟ فقال خالد: قد صدق والله وآمنت به واتبعته. فغضب أبوه وشتمه وقال: اذهب يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت. فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به. وخرج إلى رسول الله ﷺ ولزمه. وهذه الأخبار في كتب الطبقات، وقد يكون فيها بعض التفصيل مما لا يصح إسناده، لكنها تتفق مع ما ثبت من أذى المشركين لأبنائهم المسلمين.

ويذكر ابن سعد أن أبا أحيحة مرض مرضًا شديدًا فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يُعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبدًا. فقال خالد: اللهم لا ترفعه. فمات في مرضه ذلك. وهذا خبر في كتب الطبقات، يُروى بلا جزم.

هجرة الحبشة

هاجر خالد بن سعيد وزوجته أمينة بنت خلف إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وولدت له هناك ابنه سعيدًا وابنته أم خالد، المعروفة بأم خالد بنت خالد، التي روت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري قصة الخميصة: أن النبي ﷺ أتي بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: «من ترون أن أكسو هذه؟» فسكت القوم، فقال: «ائتوني بأم خالد»، فأتي بي أحملها، فأخذ الخميصة بيده فألبسنيها وقال: «أبلي وأخلقي»، وكان فيها علم أخضر أو أصفر، فقال: «يا أم خالد هذا سناه»، وسناه بالحبشية: حسن. رواه البخاري في كتاب اللباس.

أبان بن سعيد

وأما أخوه أبان بن سعيد فكان على الشرك، وقاتل المسلمين، وقد قُتل أخواه العاص وعبيدة يوم بدر على الشرك، وثبت في البخاري أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قتل عبيدة بن سعيد بن العاص بالعنزة. ثم أسلم أبان بعد الحديبية وقبل خيبر، فيما ذكره ابن حجر وغيره. وكان قد أجار عثمان بن عفان رضي الله عنه حين ذهب إلى قريش في الحديبية، فأردفه على سرجه وأدخله مكة، كما ذكر ابن إسحاق.

أبان في خيبر

وثبت في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر بعد أن افتتحها، فسأل النبي ﷺ أن يسهم له، فقال بعض بني سعيد بن العاص، وهو أبان بن سعيد: يا رسول الله، لا تُسهم له. فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل. فقال أبان: واعجبًا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن، ينعى عليّ قتل امرئ مسلم أكرمه الله بيدي ولم يهنّي بيده. وابن قوقل هو النعمان بن مالك الأنصاري الذي استشهد يوم أحد، وقد ذكر ابن حجر أن المتكلم هو أبان. ففي كلامه اعتراف بأن الله أكرم ذلك الأنصاري بالشهادة على يده، ثم أكرم أبانًا نفسه بالإسلام فلم يمت كافرًا. وهو يدل على أن الصحابي التائب يتأول ما مضى بنظرة رجاء.

الولاية والزهد

ويذكر ابن سعد أن النبي ﷺ استعمل أبان بن سعيد على سرية ثم على البحرين، وأن خالد بن سعيد استعمله النبي ﷺ على صدقات اليمن. وأنه لما توفي النبي ﷺ رجع الأخوان إلى المدينة، وأبيا العمل لأحد بعد رسول الله ﷺ، وقال أبان: لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ. فقال له أبو بكر: ما لك لا تعمل؟ قال: لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ. وهذه الأخبار ذكرها ابن سعد بأسانيد ضعيفة ولا تثبت، وتروى لبيان زهدهما.

الاستشهاد

بعد ذلك خرج الأخوان إلى الشام في خلافة أبي بكر، فاستشهد خالد بن سعيد، فيما ذكره المؤرخون، في مرج الصفر أو أجنادين سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة، واستشهد أبان بن سعيد في أجنادين أو اليرموك، على اختلاف في الروايات. ويُروى أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، زوجة عكرمة بن أبي جهل، تزوجت بعد استشهاده خالد بن سعيد، وأنها قتلت سبعة من الروم بعمود خيمتها في مرج الصفر، لكنّ هذا يُنقل في كتب الطبقات بأسانيد ضعيفة.

لمحات

أولًا: في هذا البيت أبٌ على الشرك وأبناء كثيرون على الإسلام، وهذا دليل على أن الهداية فضل من الله وليست وراثة. ثانيًا: ثبات خالد في وجه الأب يقدم نموذجًا لثبات الشباب على الحق، وقد قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ في شأن الوالدين المشركين، فالطاعة في الشرك مرفوضة والبر قائم. ثالثًا: أن أبان الذي كان في صف قريش صار بعد إسلامه من خيرة الصحابة وأحسنهم زهدًا.

العبرة

الثبات على الحق في وجه الأب يُجمع مع البر بالوالدين في المعروف، والتوبة تفتح لمن حارب الإسلام أن يصير من أهله. والهداية فضل من الله لا تورَّث.

المصدر: الطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة خالد وأبان ابني سعيد بن العاص)؛ الاستيعاب لابن عبد البر؛ الإصابة لابن حجر؛ صحيح البخاري: كتاب اللباس (حديث أم خالد في الخميصة)، وكتاب المغازي (خيبر: أبان بن سعيد)؛ سيرة ابن إسحاق (إجارة أبان لعثمان)؛ القرآن الكريم: سورة لقمان (15).

الدرجة: حديث أم خالد وحديث أبي هريرة مع أبان ثابتان في صحيح البخاري؛ وسائر ما ذكر من رؤيا خالد وضرب أبيه له وولايتهما واستشهادهما مذكور في الطبقات والتراجم بأسانيد ضعيفة وفي بعضه اختلاف، فنرويه على سبيل الاعتبار دون الجزم بتفاصيله.