فارس لا يُشقّ له غبار
كان خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي من أشهر فرسان قريش، وكان على ميمنة خيلها في أحد، فكان له دور في تحويل الدائرة على المسلمين حين خالف الرماة أمر النبي ﷺ. وهو الذي قاد خيل المشركين يوم الحديبية حين نزلوا بعسفان، وذكر الصحيح أن النبي ﷺ قال في الحديبية: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين». رواه البخاري في حديث المسور ومروان. فلم يكن إسلامه مجرد انتقال، بل تحول من أشد خصوم المسلمين إلى سيف الله المسلول.
حديث الإسلام: ما رواه ابن إسحاق
روى ابن إسحاق والواقدي والحاكم، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، عن خالد أنه قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا وأنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. فوقع ذلك مني موقعًا، وقلت: الرجل ممنوع. ثم رجعنا عنه.
وهذا الخبر في سنده مقال، ولكن ذكر صلاة الخوف بعسفان ثابت في السنن ومن حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه عند أبي داود والنسائي، وفيه أن المشركين كانوا بين النبي ﷺ وبين القبلة، وأن خالدًا كان معهم.
كتاب أخيه الوليد
ويذكر ابن إسحاق وابن سعد أن أخاه الوليد بن الوليد كان مع المسلمين، فلما كان عمرة القضاء سنة سبع غاب خالد فلم يدخل مكة، وطلبه أخوه فلم يجده. فسأل النبي ﷺ الوليد: «أين خالد؟» ثم قال: «مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولقدمناه على غيره». فكتب الوليد إلى أخيه: ما رأيت أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني عنك رسول الله ﷺ فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: مثله لا يجهل الإسلام... فاستدرك يا أخي ما فاتك فقد فاتتك مواطن صالحة. وهذه الرواية مرسلة، وفي إسنادها ضعف، ولكن قوله ﷺ فيها مشهور.
رؤيا خالد
وقال خالد في رواية ابن إسحاق: فلما جاءني كتاب أخي نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرّني مقالة رسول الله ﷺ، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلد أخضر واسع. فقلت: إن هذه لرؤيا. فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فذكرتها له فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه الشرك. وهذه الرؤيا مذكورة في السير، وفي سندها مقال، لكنها تُروى.
الطريق إلى المدينة
ثم خرج خالد، ويذكر أهل السير أنه لقي في الطريق عثمان بن طلحة وعمرو بن العاص، فاتفقوا على الخروج، وأنهم قدموا المدينة وأسلموا في صفر سنة ثمان، قبل الفتح بنحو ستة أشهر. وهذا مشهور في كتب السيرة، وإن كان بعض تفاصيله لا يثبت بإسناد قوي.
وذكر الواقدي أن النبي ﷺ لما رآهم قال: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها». وهذه العبارة تروى كثيرًا، وفي إسنادها ضعف، ولعلها من أحسن ما قيل في ثلاثة من سادات قريش جاؤوا مسلمين.
البيعة
وقال خالد: فلما دخلت على رسول الله ﷺ سلّمت عليه بالنبوة، فردّ عليّ السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق. فقال: «قد كنت أرى لك عقلًا رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير». فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يغفر لي تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك. فقال: «إن الإسلام يجبّ ما كان قبله». فقلت: يا رسول الله، على ذلك. فقال: «اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك».
ما ثبت عن خالد بعد ذلك في الصحيح
وأما الثابت في الصحيح، فهو ما رواه البخاري أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة قبل أن يأتي خبرهم، ثم قال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم». وسمي خالد بذلك سيف الله، وكان ذلك في مؤتة. وكذلك ثبت عنه رضي الله عنه في البخاري أنه تحدث عن ذلك اليوم فقال إن تسعة أسياف انقطعت في يده يوم مؤتة وما بقي في يده إلا صفيحة يمانية.
الوقفة
لا يكاد يوجد مثال أوضح على أن المنزلة تُكتسب بالصدق في الرجوع، فخالد كان في الصف المقابل، وصار بعد إسلامه أحد قواد الإسلام. والعبرة أن خالدًا نفسه كان يرى أن ما فاته من المواطن مع النبي ﷺ فرصة ضائعة، فعوّضها بجهاد عظيم. ومن العبر أن التفكير في العاقبة يهدي صاحبه، فإن خالدًا قال في روايته إنه كان يرى في نفسه أنه في غير شيء، أي أن الضمير كان ينبهه حتى قبل أن يعلن.
قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. وقد وفّى خالد لهذا الوعد فجعل بقية عمره في سبيل الله.
