Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والعلماء والزهاد
التابعون والعلماء والزهادمشهور

سعيد بن جبير بين يدي الحجاج

سعيد بن جبير

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

كان سعيد بن جبير من كبار تلاميذ ابن عباس رضي الله عنهما، عالمًا عابدًا من أهل الكوفة. وفي فتنة ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف الثقفي خرج مع من خرج، فلما انكسرت الفتنة فرّ سعيد ومكث متخفيًا سنوات طويلة، ثم قبض عليه أمير مكة خالد بن عبد الله القسري وأرسله إلى الحجاج في واسط سنة خمس وتسعين. فلما دخل عليه دار بينهما هذا الحوار الذي ترويه كتب التراجم. قال الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل شقي بن كسير. قال سعيد: أمي كانت أعلم باسمي منك. قال: شقيت أمك وشقيت أنت. قال: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لأبدلنّك بالدنيا نارًا تلظى. قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك لاتخذتك إلهًا. وسأله عن النبي ﷺ فقال: نبي الرحمة، إمام الهدى. وسأله عن الخلفاء، فقال: لست عليهم بوكيل. فقال الحجاج: اختر لنفسك أي قتلة أقتلك؟ قال: اختر أنت لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة. فأمر الحجاج بقتله. ولما أُخرج للقتل قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين. فقال الحجاج: اصرفوا وجهه عن القبلة. فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله. فقال: كبّوه على وجهه. فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. ويروى أنه دعا قائلًا: اللهم لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي. وقد مات الحجاج بعده بقليل في العام نفسه، ويروى أنه كان يقول بعد ذلك: ما لي ولسعيد بن جبير. وبقي سعيد في ذاكرة الأمة شهيد العلم الذي لم يساوم على دينه أمام أقوى الولاة. وكان سعيد بن جبير مولى لبني والبة من بني أسد، من أهل الكوفة، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يعرف قدره، حتى إنه كان إذا استفتاه أهل الكوفة قال: أتسألونني وفيكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيدًا. وأما الحجاج فلم يعش بعد قتله إلا شهورًا، إذ مات في رمضان من العام نفسه سنة خمس وتسعين، وتذكر الروايات أنه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذًا بمجامع ثوبه يقول له: يا عدو الله، فيم قتلتني؟ فكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير. وتروي كتب التراجم أيضًا أن سعيدًا ضحك حين أُدخل عليه الحجاج، فسأله: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك. فأمر بقتله. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل عن سعيد: قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. ومما رواه أبو نعيم في الحلية من كلامه: الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية، والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.

العبرة

الإيمان الصادق يمنح صاحبه ثباتًا أمام الظالم القوي، ولا تضرّ الدنيا من اعتصم بربه.

المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم (ترجمة سعيد بن جبير)، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وتاريخ الطبري

الدرجة: مشهور في كتب التراجم والتاريخ، وتتفاوت ألفاظ الحوار بين المصادر والمعنى الإجمالي ثابت