Islamic MixIslamic Mix
‹ السيرة النبوية
السيرة النبويةموثّق

ظهيرة الهجرة: بكاء من الفرح

النبي محمد ﷺ وأبو بكر الصديق

تقول عائشة رضي الله عنها: لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بكرةً وعشيةً. فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قِبَل أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخرج ولا يُخرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر.

ثم إن الله أذن لنبيه ﷺ في الهجرة، فجاءهم في ساعة الظهيرة، وهي ساعة لم يكن يأتيهم فيها. قالت عائشة: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء بالنبي ﷺ في هذه الساعة إلا أمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء. فقال ﷺ: «أخرج عني من عندك». قال أبو بكر: يا رسول الله، إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال ﷺ: «فإنه قد أُذن لي في الخروج». قال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، بأبي أنت؟ قال: «نعم». تقول عائشة: فوالله ما شعرت قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

وكانت عند أبي بكر راحلتان قد علفهما ورق السمر أربعة أشهر. فقال: خذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين. فقال رسول الله ﷺ: «بالثمن».

واستأجرا رجلًا من بني الديل هو عبد الله بن أريقط، وكان خِرّيتًا، أي ماهرًا بالطريق، وكان على دين كفار قريش، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.

تقول عائشة: فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين.

وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ أمر عليًّا رضي الله عنه أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ للناس، وأمره أن ينام في فراشه وقال له: تسجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. ثم خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وانطلقا إلى غار في جبل ثور.

العبرة

الهجرة لم تكن ارتجالًا، بل تدبير وأخذ بالأسباب مع تمام التوكل على الله، وأبو بكر أنموذج في الصحبة الصادقة والبذل للدين.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (حديث عائشة)؛ وسيرة ابن هشام في أمر علي رضي الله عنه

الدرجة: صحيح — رواه البخاري؛ وخبر مبيت علي في فراشه ثابت في كتب السيرة