Islamic MixIslamic Mix
‹ السيرة النبوية
السيرة النبويةموثّق

في الغار: ثلاث ليال بين الخوف والطمأنينة

النبي محمد ﷺ وأبو بكر الصديق

يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشًا تشاورت ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصّوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال.

خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه من مكة ولحقا بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال. وقد جعلت قريش دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فخرج القوم يطلبونهما.

كان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما، وهو غلام شاب ثقِف لقِن، أي فطن سريع الفهم، فيخرج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كأنه بائت فيهم، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. وكان عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، يرعى عليهما منحةً من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلهما ورضيفهما، أي لبنهما ولبنهما المسخَّن بالحجارة المحماة، حتى ينعق بها عامر بغلس، فيفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.

وفي أثناء ذلك وقع الموقف الذي حكاه أبو بكر رضي الله عنه، قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟». وفي رواية أخرى أنه قال له: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما».

وقد خلّد القرآن هذا الموقف فقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

فلما مضت الليالي الثلاث جاءهما الدليل بالراحلتين صبح الليلة الثالثة، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.

العبرة

من كان الله معه فلا خوف عليه؛ فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، ويقين الصاحب الصادق يثبّت القلب عند الشدة.

المصدر: صحيح البخاري: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (حديث عائشة)، وكتاب فضائل الصحابة: باب مناقب المهاجرين وفضلهم (حديث أبي بكر)؛ صحيح مسلم: فضائل أبي بكر؛ مسند أحمد (حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا)

الدرجة: صحيح — رواه البخاري ومسلم؛ وخبر تشاور قريش ونسج العنكبوت حسن — رواه أحمد