Islamic MixIslamic Mix
‹ السيرة النبوية
السيرة النبويةموثّق

حادثة الإفك: براءة عائشة من فوق سبع سماوات

عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

تروي عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت معه بعد ما نزل الحجاب، فكنت أُحمل في هودجي وأُنزل فيه. حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلةً بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش لقضاء حاجتي، فلما رجعت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه.

وأقبل الذين يرحّلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبّلن اللحم. فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت.

وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي. ووالله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول.

فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: «كيف تيكم؟» ثم ينصرف. فخرجت حين نقهت مع أم مسطح قِبَل المناصع، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي.

فلما رجعت دخل عليّ رسول الله ﷺ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثّرن عليها. فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم.

ودعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وقال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا بريرة فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟» فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.

ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي فقال: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا». فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه. ثم قام سعد بن عبادة، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا.

قالت عائشة: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، دخل رسول الله ﷺ فجلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء. فتشهد ثم قال: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه».

فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عني. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. وقلت لأمي مثل ذلك. فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني. فوالله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.

ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى. فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أُنزل عليه. فلما سُرّي عن رسول الله ﷺ سُرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله فقد برّأك». فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ العشر الآيات.

وكان أبو بكر يُنفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره، فقال: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

العبرة

الصبر الجميل عند الابتلاء بالافتراء، والثقة بأن الله يبرئ أهل الحق، وأن العفو والصلة حتى مع من أخطأ في حق الإنسان سبب لمغفرة الله.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب حديث الإفك (حديث عائشة الطويل)؛ صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف

الدرجة: صحيح — رواه البخاري ومسلم