تذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ لما انصرف عن الطائف، تبعه عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه فيدعوهم، فقال له رسول الله ﷺ إنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم. فلما دعاهم رموه بالنبل فقتلوه، وروي أنه قال حين أصابه السهم: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليّ. وبلغ النبي ﷺ ذلك فقال: «مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه».
ثم رأت ثقيف أنه لا طاقة لها بحرب العرب كلها، فأرسلت عبد ياليل بن عمرو ومعه خمسة، فيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغرهم. فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة، فاشتد يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر فأخبره فسأله بالله أن لا يسبقه حتى يكون هو الذي يخبر النبي ﷺ، ففعل.
وضرب رسول الله ﷺ عليهم قبة في ناحية مسجده، ولما أسلموا وكان رمضان صاموا معه. وسألوه أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى، وسألوه سنتين ثم سنة ثم شهرًا بعد قدومهم، فأبى أن يدعها شيئًا مسمّى. وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال ﷺ: «لا خير في دين ليس فيه ركوع». وسألوا أن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: «فأما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك»، وأرسل أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها.
وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سنًّا، وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن، وقال أبو بكر: يا رسول الله، إني قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن.
ثم رجع الوفد، وبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات. فلما دخل المغيرة يهدمها قال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف. فضرب بالمعول فسقط يركض، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الربة. فوثب المغيرة وقال: قبحكم الله يا ثقيف، إنما هي حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم هدمها وأخذ مالها وحليّها.
