وقد قال الله تعالى في ذلك: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله، إذ يغشّيكم النعاس أمنةً منه.
وروى الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال: لقد رأيتُنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ، فإنه كان تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. وقال عمر رضي الله عنه: إن كان رسول الله ﷺ ليرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، ويضع يده على الأرض ههنا وههنا. قال: فما ماطَ أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ.
يروي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابُه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا.
فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلة، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله، كفاك مناشدتك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال وهو في قبّة له يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئتَ لم تُعبد بعد اليوم أبدًا. فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححتَ على ربك. فخرج ﷺ وهو يقول: سيُهزم الجمع ويولّون الدبر.
وفي ذلك اليوم قال ﷺ: هذا جبريل آخذٌ برأس فرسه، عليه أداة الحرب. رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. فأمدّه الله بالملائكة.
قال أبو زُميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه وصوتَ فارس يقول: أقدِمْ حَيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه وشُقَّ وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: صدقتَ، ذلك من مَدَد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
وقال تعالى عن ذلك اليوم: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميتَ إذ رميتَ ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسنًا.
