Islamic MixIslamic Mix
‹ السيرة النبوية
السيرة النبويةموثّق

ما خلأت القصواء: الطريق إلى الحديبية

النبي ﷺ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه

حدّث المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في خبر صلح الحديبية فقالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحُلَيفة قلّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة. وبعث عينًا له من خزاعة، وسار حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك.

فقال: أشيروا أيها الناس عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدّونا عن البيت؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجتَ عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجَّه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله.

وقال النبي ﷺ: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش.

ثم سار ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطّة يعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم إياها. ثم زجرها فوثبت.

فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تبرّضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه.

ثم جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، فكلّمهم النبي ﷺ بنحو ما قال لبعض الناس، فرجع بُديل إلى قريش فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. وكان مما قال النبي ﷺ: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نَهِكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتُهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنّ الله أمره.

وفي رواية أخرى للبخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.

العبرة

الحكمة في تعظيم حرمات الله والبعد عن إراقة الدماء ما أمكن؛ وإذا حُبست عن غايتك فلله فيه حكمة قد تظهر لك لاحقًا.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، حديث المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما)

الدرجة: صحيح — رواه البخاري