في عام الفتح دخل رسول الله ﷺ مكة. قال عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: رأيتُ النبي ﷺ يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح. وكان ﷺ قد قسّم جيشه إلى جهات، وجعل الزبير على إحدى المجنبتين، وخالدًا على الأخرى، وأبا عبيدة على الحُسَّر.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: فنظر رسول الله ﷺ فرآني فقال: أبا هريرة. قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: اهتف لي بالأنصار، لا يأتيني إلا أنصاري. فأطافوا به. ثم جاء أبو سفيان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال ﷺ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.
فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته. ونزل الوحي، وكان إذا نزل لم يخفَ علينا، فلما رُفع قال: يا معشر الأنصار، قلتم: أما الرجل فأخذته رأفة بقريته. قالوا: قد كان ذاك. قال: فما اسمي إذًا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم. فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنَّ بالله وبرسوله. فقال رسول الله ﷺ: إن الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم.
وفي اليوم الثاني من الفتح قام النبي ﷺ خطيبًا، وقال أبو شريح العدوي رضي الله عنه: إن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشاهد الغائب. وقال ﷺ يوم الفتح: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا.
وقال أنس رضي الله عنه: دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المِغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة أنه ﷺ جاء حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
وقد نزل في أمر الفتح قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا.
