بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو باليمن بذُهَيبة في تُربتها إلى رسول الله ﷺ، فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب.
فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا! قال ﷺ: «إنما أتألفهم».
فأقبل رجل غائر العينين، مُشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كثُّ اللحية، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! فقال ﷺ: «فمن يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني؟». فسأله رجل قتله، أحسبه خالد بن الوليد، فمنعه ﷺ. وفي رواية مسلم أن خالدًا قال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي». فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال رسول الله ﷺ: «إني لم أُومَر أن أنقِّب عن قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم».
فلما ولّى الرجل قال رسول الله ﷺ: «إن من ضِئضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد».
وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما النبي ﷺ يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل! فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل». فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: «دعه، فإن له أصحابًا يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
ثم وصف النبي ﷺ علامتهم فقال: «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس».
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس، فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.
وروى علي رضي الله عنه حديثهم فقال: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أكذب عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حُدَثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة».
